المرآة العمياء: حينما يسبقك ظلك!

المرآة العمياء:حينما يسبقك ظلك🪞!
أنا لا أخاف من الظلام، أنا أخاف مما يختبئ في الظلام ويدعي أنه "أنا". بدأت الحكاية عندما انتقلت لشقتي الجديدة في المنيرة، شقة قديمة بسعر لقطة، كان العيب الوحيد فيها هو مرآة ضخمة مثبتة في الحائط بمسامير غائرة، إطارها خشبي منحوت بأشكال تشبه وجوهًا تصرخ بصمت.
في البداية، كان الأمر مضحكًا. كنت أقف أمامها لأغسل وجهي، فأشعر للحظة أن "ياسين" الذي في المرآة لم يرمش في نفس اللحظة التي رمشت فيها أنا. قلت لنفسي: "إجهاد شغل مش أكتر". لكن يوم الثلاثاء، انقلب الهزار لكابوس. كنت أحلق ذقني، وفجأة، سقطت ماكينة الحلاقة من يدي. انحنيت لأحضرها، وعندما رفعت رأسي.. تجمّد الدم في عروقي.
انعكاسي في المرآة كان لا يزال منحنيًا!
ظل في وضعية الانحناء لثانيتين كاملتين وأنا واقف مشدوه، ثم بدأ يرفع رأسه ببطء شديد.. ببطء لا يمكن لبشر أن يفعله. لم يرفع رأسه بملامح خائفة مثل ملامحي، بل كان يبتسم. ابتسامة واسعة بشكل غير طبيعي، وصلت لأذنيه، وعيناه.. يا الله على عينيه! كانت سوداء تمامًا، بلا بياض، كأنها ثقبان يؤديان إلى الجحيم.
حاولت التحرك، لكنني اكتشفت أنني مشلول. كأن خيوطًا غير مرئية تربط حركتي بحركته. بدأ "هو" يمد يده من داخل زجاج المرآة. نعم، الزجاج لم يعد صلبًا، بل صار متموجًا مثل الماء. خرجت أصابع شاحبة، أظافرها طويلة ومتسخة، ولمست وجهي. كانت برودة أصابعه أقسى من ثلج الشتاء.
همس بصوت يشبه حفيف الأشجار الميتة: "أنت أخذت مكاني في الخارج طويلاً.. حان وقت التبادل".
فجأة، انطفأت أنوار الشقة كلها. ساد صمت قاتل، لم أعد أسمع فيه إلا دقات قلبي التي كانت كأنها طبل حرب. شعرت بيد تجذبني بقوة إعصار نحو المرآة. قاومت، صرخت، لكن صوتي لم يخرج. دخلت رأسي داخل الزجاج البارد، ورأيت الغرفة من منظور المرآة.. رأيت شقتي لكنها كانت باهتة، بلا ألوان، وكل شيء فيها مقلوب.
لمحت "ياسين الآخر" وهو يخرج بالكامل من المرآة إلى غرفتي. ضبط ياقة قميصه، ونظر إليّ بنظرة انتصار، ثم أمسك بمطرقة كانت بجانب الحائط.. وبكل قوته، ضرب زجاج المرآة!
تكسر العالم من حولي لمليون قطعة. شعرت بألم لا يحتمله بشر وكأن جسدي يتمزق. وفجأة.. عاد الضوء. وجدت نفسي واقفًا أمام المرآة المحطمة. تنفست الصعداء وقلت: "الحمد لله، كان كابوس".
لكن عندما نظرت ليدي، لم أجد جروحًا من الزجاج.. وجدت أنني لا أملك جسدًا أصلاً! أنا الآن مجرد طيف عالق خلف شظايا الزجاج المكسور على الأرض. رفعت نظري لأرى "ياسين" وهو يمسك هاتفي، يتصل بوالدتي ويقول لها بصوتي تمامًا: "أيوه يا أمي.. أنا جاي أتغدى عندك النهاردة، وحشتيني أوي".
التفت نحو شظايا المرآة على الأرض، غمز لي بعينه السوداء، ثم داس بحذائه على القطعة التي تحمل وجهي.. ليتحول عالمي بعدها إلى ظلام أبدي.
---
بعد أن داس "ياسين الزائف" على قطعة الزجاج التي تحمل وجهي، لم ينتهِ الأمر بالظلام كما ظننت. استيقظتُ وأنا في مكانٍ لا تحكمه قوانين الفيزياء.. أنا الآن داخل **"عالم الانعكاس"**.
الشقة التي كنت أعرفها أصبحت عبارة عن لوحة زيتية مشوهة، الجدران تسيل كالألوان المائية، والأرضية متموجة كأنها مرسومة بريشة فنان مجنون. لكن الرعب الحقيقي لم يكن في المكان، بل فيمن يسكنونه.
رأيتهم.. المئات، بل الآلاف من "المنعكسين". أشخاص يشبهوننا تماماً، لكنهم بلا ملامح واضحة، وجوههم ممسوحة كأن أحدهم مرر يده على لوحة قبل أن تجف. كانوا يهمسون بصوت يشبه احتكاك الورق:
**"واحد جديد سقط.. واحد جديد سقط."**
فجأة، ظهر "هو" مرة أخرى. لم يكن "ياسين الزائف" الذي خرج للعالم الحقيقي، بل كان كياناً آخر يبدو كأنه "الفنان" المسؤول عن هذا الجحيم. كان يمسك بريشة مصنوعة من عظام بشرية، ويقف أمام مساحة فارغة في الهواء وكأنها "كانفاس" (لوحة) غير مرئية.
نظر إليّ وقال بصوت عميق:
“لا تقلق.. أنت لن تموت. أنت ستصبح جزءاً من معرضي الدائم.”
بدأ يحرك ريشته في الهواء، ومع كل حركة، كنت أشعر بجزء من جسدي (أو ما تبقى من طيفي) يتجمد ويتحول إلى مادة صلبة تشبه الطلاء. بدأ يرسم أحشائي على الهواء، ويرسم صرختي التي تجمدت في حنجرتي.
رأيتُ نفسي أتحول ببطء إلى **"بورتريه"** معلق في فراغ الغرفة المقلوبة. نظرتُ حولي، وجدتُ جارتي "أم مالك" معلقة في إطار مذهب بجانبي، وعيناها تفيضان بدموع من حبر أسود.. وعزت الخال كان هناك أيضاً، مرسوماً بضربات ريشة عنيفة تعكس رعب لحظاته الأخيرة.
في تلك اللحظة، نظرتُ من خلال "اللوحة" التي أصبحتُ عليها إلى العالم الحقيقي. رأيتُ "ياسين الزائف" يقف في الصالة، يمسك بفرشاة دهان حقيقية، وبدأ يطلي الحائط فوق المرآة المحطمة بلون أحمر قانٍ.. كان يغطي ملامح وجودي الأخير في ذلك العالم.
ومع آخر ضربة فرشاة منه في عالمكم، انقطع اتصالي بالواقع تماماً. أصبحتُ مجرد "عمل فني" في معرض الجحيم، أنتظر بفارغ الصبر أن يشتري شخص آخر مرآة قديمة.. لعلّي أجد فرصة لأرسم طريقي للخارج، حتى لو كان الثمن.. أن أسجن شخصاً آخر مكاني.
---
**القفلة:**
لو شعرت يوماً وأنت تنظر للمرآة أن ملامحك "جميلة زيادة عن اللزوم" أو أن انعكاسك يبتسم لك بودّ مبالغ فيه.. اهرب.. فربما "الفنان" قد انتهى لتوّه من رسم نسختك الجديدة!
النهاية.