سر النافذة التي لا تطل على شيء
عنوان القصة: “النافذة السابعة
”
لم يكن "سليم" يؤمن بالأساطير، حتى انتقل للعيش في تلك الشقة القديمة بوسط القاهرة. الشقة كانت واسعة، رخيصة بشكل مريب، وتطل على شارع هادئ.. باستثناء شيء واحد: النافذة السابعة.
كان العمارة تتكون من ست نوافذ في كل طابق، لكن في طابقه الثالث، كانت هناك نافذة إضافية، صغيرة ومسدودة بقطع من الخشب المتهالك.
في الليلة الأولى، سمع سليم صوت خربشة خلف الخشب. ظنها الفئران، فاقترب ليطرق على الخشب محاولاً إخافتها. لكن الرد جاءه فوراً.. طرقتان من الداخل بنفس الإيقاع. تجمد مكانه، فالنافذة لا تطل على غرف الجيران، بل تطل على الفراغ الخارجي للعمارة!
في الليلة الثانية، لاحظ سليم أن قطع الخشب بدأت تتزحزح من مكانها، وكأن شيئاً ما يحاول دفعها للخارج. اقترب ببطء، ونظر من خلال شق صغير. لم يرَ شارعاً، ولا أضواء، رأى فقط.. عيناً واسعة، لا جفن لها، تنظر إليه مباشرة.
سقط سليم أرضاً، والأنفاس تتسارع. فجأة، سمع صوت همس يملأ الغرفة، صوتاً يشبه احتكاك الورق اليابس: "لقد فتحت الباب حين طرقت.. والآن، حان دوري لأدخل".
في الصباح، وجد الجيران شقة سليم مفتوحة، كانت فارغة تماماً، باستثناء النافذة السابعة التي لم تعد مسدودة بالخشب، بل كانت مفتوحة على مصراعيها.. تطل على جدار أسمنتي مصمت، لا وجود له في الواقع.
بعد اختفاء سليم، دخل الجيران الشقة ووجدوا شيئاً لم يلحظه أحد: أثر يد واحدة "مطبوعة" على الجدار الأسمنتي خلف النافذة السابعة، وكأن شخصاً كان يحاول الخروج من قلب الحائط لا الدخول إليه.
بمرور الأيام، لم تعد الشقة خالية. الجار في الشقة المقابلة بدأ يسمع صوت سليم بوضوح وهو ينادي بلهفة: "افتحوا الخشب.. الجدار بيضيق!". الغريب أن النافذة كانت مفتوحة بالفعل، لكن الصوت كان يأتي من خلف "الخرسانة" نفسها.
قرر صاحب العقار سدّ النافذة بالطوب نهائياً لإسكات الصوت، ومع آخر طوبة وُضعت، ساد صمت رهيب.. لكن في تلك اللحظة، ظهرت في شقة الجار نافذة "ثامنة" لم تكن موجودة من قبل، وبدأ يسمع أول طرقة خفيفة على زجاجها.اتضح أن العمارة بُنيت فوق بقايا "سرداب قديم" كان يُستخدم في طقوس غامضة لحبس "الأطياف" داخل الجدران. النافذة السابعة لم تكن نافذة عادية، بل كانت ثغرة بين عالمنا والسرداب المحبوس تحت الأسمنت.
سليم لم يمت، لكنه أصبح جزءاً من مادة البناء؛ فالجدار الأسمنتي الذي رآه الجيران كان "يتغذى" على أجساد الساكنين ليقوى. الجار الذي ظهرت عنده النافذة الثامنة اكتشف الحقيقة متأخراً حين وجد صورة سليم محفورة داخل زجاج النافذة الجديدة، وعيناه تنزفان أسمنتاً سائلاً.
صاحب العقار، الذي لم يسكن العمارة يوماً، كان يجمع الإيجار ليشتري به "بخوراً خاصاً" يضعه في الأساسات كل عام، ليس لحماية السكان، بل لإبقاء الشيء الذي يسكن الجدران شبعاناً.. حتى لا يخرج للشارع كله.