همسات تحت الدرج
همسات تحت الدرج
لم أكن أبحث عن الراحة… بل عن الهروب.
بعد شهور من الأرق والكوابيس، وجدت تلك الشقة وكأنها فرصة أخيرة. الإيجار كان منخفضًا بشكل غير منطقي، والمكان قديم لكنه يبدو مستقرًا. لم أسأل كثيرًا. فقط وقّعت العقد وانتقلت في نفس اليوم.
منذ اللحظة الأولى، شعرت بشيء غريب. ليس خوفًا… بل إحساس بالمراقبة. كأن الجدران تعرفني.
في أول ليلة، حاولت النوم مبكرًا. أغلقت الأنوار، واستلقيت أراقب السقف المتشقق. مرت دقائق… ثم ساعة… ثم فجأة…
صوت.
احتكاك خافت… كأن شيئًا يُسحب ببطء على أرض خشبية.
جلست فورًا. حبست أنفاسي.
الصوت كان قادمًا من المطبخ. تحديدًا… من تحت الدرج الصغير الذي لم أعره انتباهًا عند دخولي.
بابه كان قديمًا، متآكل الحواف، وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.
ضحكت بسخرية لأهدئ نفسي. "فأر"، قلتها بصوت مسموع.
لكن في الليلة الثانية… لم يكن فأرًا.
استيقظت على ثلاث طرقات واضحة.
"طق… طق… طق…"
ثم صمت.
ثم نفس الطرقات مرة أخرى.
قلبي بدأ ينبض بسرعة. لم يكن الصوت عشوائيًا… كان منتظمًا… مقصودًا.
نهضت ببطء، كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. عندما وصلت إلى باب الدرج، شعرت ببرودة غريبة في الهواء.
مددت يدي…
وقبل أن ألمس المقبض، جاء الهمس.
"أخيرًا…"
تجمدت.
الصوت كان خافتًا… لكنه واضح. قريب جدًا… كأنه خلف الباب مباشرة.
تراجعت فورًا، وعدت إلى غرفتي، وأغلقت الباب بإحكام.
في الصباح، حاولت إقناع نفسي أنني كنت أحلم. لكن عندما دخلت المطبخ، وجدت شيئًا لم أستطع تفسيره…
آثار خدوش… على باب الدرج… من الداخل.
في اليوم الثالث، لم أخرج من الشقة. كنت أراقب الباب طوال الوقت. كلما اقتربت منه، أشعر بصداع حاد… وكأن شيئًا يدفعني للابتعاد.
لكن مع حلول الليل… فقدت السيطرة.
استيقظت وأنا واقف أمام الباب.
لا أذكر كيف وصلت.
لكن هذه المرة… لم أكن خائفًا.
كنت… فضوليًا.
وضعت يدي على المقبض، وابتسمت دون سبب.
من الداخل، جاء الصوت مجددًا… لكن هذه المرة… كان واضحًا جدًا.
"انت فاكرني؟"
تجمدت.
الصوت… كان صوتي أنا.
بنفس النبرة… نفس الطريقة.
بدأت ذاكرتي تتشوش. صور قديمة ظهرت في ذهني… أنا… طفل… أقف أمام درج مظلم… أبكي… أصرخ… لكن لا أحد يسمعني.
"انت اللي سيبتني هنا…"
تراجعت فجأة، لكن يدي لم تتحرك.
المقبض بدأ يدور… ببطء… وكأن أحدًا من الداخل يساعدني.
الباب انفتح.
رائحة عفن خانقة خرجت، ومعها ظلام كثيف كأنه حي.
في العمق… رأيته.
شخص… جالس… يحدق بي.
ملابسه ممزقة… جلده شاحب… عيناه غارقتان في السواد…
لكن وجهه…
كان وجهي.
ابتسم.
وقال:
"أنا الجزء اللي حاولت تنساه."
صرخت وأغلقت الباب بقوة، وسقطت أرضًا ألهث.
في الصباح، غادرت الشقة بلا رجعة.
لكن المشكلة لم تكن في الشقة.
منذ ذلك اليوم… كلما أغلقت عيني…
أراه.
يجلس في الظلام…
ينتظر.
وأحيانًا… أستيقظ…
وأجد يدي على مقبض باب غرفتي.
