همسات تحت الدرج

همسات تحت الدرج

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about همسات تحت الدرج

 

 

همسات تحت الدرج

 

لم يكن “آدم” يؤمن أبدًا بقصص الأشباح التي كان جده يرويها له في طفولته. كان يعتبرها مجرد حكايات قديمة هدفها إخافة الأطفال ومنعهم من التجول ليلًا في البيت العتيق الذي ورثته العائلة منذ أكثر من مئة عام.

لكن حين وصله خبر وفاة جده، اضطر للعودة إلى القرية بعد غياب دام عشر سنوات.

كان المنزل كما تركه تمامًا... جدرانه المتشققة، نوافذه المغبرة، ورائحة الخشب الرطب التي تعبق في الممرات الضيقة. استقبله صمت ثقيل، كأن البيت كان ينتظره.

في الليلة الأولى، وبينما كان يرتب بعض أغراض جده في الطابق السفلي، سمع صوتًا خافتًا.

همسة.

توقف مكانه.

ثم سمعها مجددًا... صوت منخفض جدًا، كأنه صادر من تحت الدرج الخشبي المؤدي للطابق العلوي.

اقترب بحذر، سلط ضوء هاتفه نحو الفراغ الضيق أسفل الدرج، لكنه لم يرَ شيئًا سوى الظلام.

ظن أنها فئران.

لكن في الليلة التالية، عاد الصوت.

هذه المرة كان أوضح.

“آدم...”

تجمد الدم في عروقه.

كان الصوت يشبه صوت أمه... التي ماتت قبل خمسة عشر عامًا.

تراجع للخلف مذعورًا، وارتطم بالحائط. ظل يحدق نحو الدرج، بينما الهمسات تتكرر، متقطعة، حزينة، كأنها تستنجد به.

في صباح اليوم التالي، ذهب إلى عجوز القرية “أمينة”، وكانت آخر من بقي ممن عرفوا جده جيدًا.

حين أخبرها بما سمع، شحب وجهها.

قالت بصوت مرتجف:
“جدك كان حارسًا... وليس مالكًا للبيت.”

لم يفهم.

أخرجت من صندوق خشبي قديم مفتاحًا صدئًا وسلمته له.

“تحت الدرج باب مخفي... لا تفتحه إلا إذا كنت مستعدًا لمعرفة الحقيقة.”

عاد آدم قبل الغروب، وقلبه ينبض بعنف.

بحث أسفل الدرج حتى وجد لوحًا خشبيًا مختلف اللون. نزعه بصعوبة، ليظهر باب صغير حديدي صدئ.

أدخل المفتاح.

صدر صوت صرير طويل، كأن الباب لم يُفتح منذ عقود.

خلفه، ظهرت درجات حجرية تنزل إلى قبو مظلم.

نزل ببطء، وكل خطوة كانت تصدر صدى ثقيلًا.

وصل إلى غرفة ضيقة، تتوسطها مرآة ضخمة مغطاة بقماش أسود، وحولها عشرات الشموع المنطفئة.

وعلى الجدار، وجد صورًا قديمة.

صور لأشخاص مفقودين من القرية... وصورة أمه بينهم.

ارتجفت يداه.

وفجأة، انطفأ ضوء الهاتف.

وسمع الهمسة قرب أذنه مباشرة:

“لقد عدت أخيرًا...”

استدار بسرعة، فلم يرَ أحدًا.

لكن القماش الأسود سقط عن المرآة وحده.

انعكس وجهه عليها... ثم تغير.

لم يعد يرى نفسه.

بل رأى جده، واقفًا داخل المرآة، عيناه غارقتان في السواد.

قال الجد:
“كنت أحميك منهم... الآن جاء دورك.”

ثم بدأت الأيدي تظهر من داخل سطح المرآة، عشرات الأيدي الشاحبة، تمتد نحوه.

صرخ آدم وحاول الهرب، لكن باب القبو أغلق بعنف.

الأصوات تعالت:
همسات، صرخات، بكاء أطفال.

ثم رأى شيئًا جعل قلبه يتوقف.

في زاوية الغرفة، جلست امرأة بثوب أبيض ممزق.

رفعت رأسها ببطء.

كانت أمه.

لكن وجهها كان مشوهًا، وعيناها فارغتين.

قالت بصوت ميت:
“لماذا تركتني هنا وحدي؟”

انهار آدم على الأرض، يصرخ ويبكي.

اقتربت منه ببطء، ومدت يدها الباردة إلى وجهه.

وفجأة... عمّ الصمت.

في صباح اليوم التالي، جاء أهل القرية بعدما لاحظوا أن باب البيت مفتوح.

وجدوا المنزل فارغًا.

لا أثر لآدم.

لكنهم وجدوا شيئًا واحدًا فقط:

صورة جديدة معلقة على جدار القبو.

صورة لآدم.

وجهه شاحب، عيناه سوداوان، وخلفه تظهر عشرات الوجوه الهامسة.

ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية يسمعون كل ليلة، إذا مروا قرب البيت القديم...

همسات تحت الدرج.

تنادي اسمًا جديدًا

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
نور تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-