النافذة التي لا تعكس

النافذة التي لا تعكس

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لم يكن "كريم" يبحث عن شيء مميز عندما استأجر تلك الشقة. كل ما أراده هو مكان هادئ، بعيد عن ضوضاء المدينة، ليبدأ من جديد. كانت الشقة قديمة قليلًا، جدرانها باهتة، وأثاثها بسيط، لكنها كانت مناسبة.

في الليلة الأولى، لاحظ شيئًا غريبًا.

بينما كان يقف أمام النافذة الكبيرة في غرفة المعيشة، رأى انعكاسه في الزجاج… لكن ليس كما ينبغي. كان هناك تأخير بسيط، كأن صورته تتحرك بعده بجزء من الثانية.

ضحك في البداية، واعتبر الأمر خدعة بصرية. ربما بسبب الإضاءة أو الإرهاق. لكنه لم يكن يعلم أن تلك البداية فقط.

في الليلة التالية، حدث شيء أكثر غرابة.

عندما وقف أمام النافذة، لم يرَ نفسه وحده… بل رأى ظلًا يقف خلفه. التفت بسرعة… لم يكن هناك أحد. عاد لينظر إلى الزجاج… الظل ما زال موجودًا.

تراجع قلبه، لكنه حاول التماسك. أقنع نفسه أنها مجرد هلوسة.

لكن الظل بدأ يقترب… ببطء.

في الأيام التالية، لم تعد النافذة تعكس الواقع. أحيانًا كان يرى نفسه واقفًا وهو في الحقيقة جالس. وأحيانًا أخرى، يرى أشخاصًا يمرون خلفه رغم أن الشقة فارغة.

بدأ يفقد النوم. لم يعد يجرؤ على النظر إلى النافذة، لكنه كان يشعر بها… كأنها تراقبه.

وفي ليلة عاصفة، انقطعت الكهرباء. غرق المكان في ظلام دامس. لم يكن هناك سوى ضوء خافت يأتي من النافذة.

نظر إليها رغماً عنه…

هذه المرة، لم يرَ نفسه إطلاقًا.

بل رأى الغرفة… لكن بداخلها شخص آخر. شخص يشبهه تمامًا، لكنه كان يبتسم ابتسامة باردة، غريبة، مخيفة.

الشخص داخل النافذة اقترب… ووضع يده على الزجاج.

وفجأة… شعر كريم بشيء يلمس كتفه.

تجمد في مكانه.

لم يكن هناك أحد خلفه.

عاد ببطء لينظر إلى النافذة… فاختفى ذلك "الشخص".

لكن هذه المرة… انعكاسه عاد طبيعيًا.

تنفس كريم الصعداء، ظن أن الأمر انتهى.

لكن عندما تحرك ليغادر الغرفة…

لم يتحرك انعكاسه.

بقي واقفًا… ينظر إليه… ويبتسم.

أدرك كريم الحقيقة متأخرًا.

الذي خرج من النافذة… لم يكن هو.تجمّد كريم في مكانه، عيناه مثبتتان على النافذة. انعكاسه لم يتحرك… فقط ظل واقفًا، بنفس الابتسامة الباردة التي لم تكن له.

حاول أن يقنع نفسه أنه يتخيل، أن عقله بدأ ينهار بسبب التوتر وقلة النوم. لكنه عندما رفع يده ببطء…

لم يرفع الانعكاس يده.

هنا، شعر بشيء ينكسر داخله.

تراجع خطوة إلى الخلف، وقلبه ينبض بعنف، لكن الابتسامة في النافذة اتسعت أكثر… كأن ذلك "الشيء" يستمتع بخوفه.

وفجأة… طرق خفيف على الزجاج.

تجمّد الدم في عروقه.

الطرق لم يكن من الخارج… بل من الداخل.

من داخل النافذة نفسها.

اقترب الانعكاس أكثر، حتى بدا وكأنه سيخرج. مدّ يده، وضغط على الزجاج… الذي بدأ يتموّج كالماء.

صرخ كريم وتراجع، لكنه تعثر وسقط أرضًا. حاول الزحف بعيدًا، لكن الضوء الخافت من النافذة بدأ ينتشر في الغرفة، كأنه يبتلع كل شيء.

وفجأة… سكون.

اختفى الضوء.

اختفت الابتسامة.

اختفى كل شيء.

ببطء، نهض كريم، وهو يلهث. نظر إلى النافذة… عادت كما كانت. انعكاس طبيعي، لا شيء غريب.

اقترب بحذر… ولم يرَ سوى نفسه، مرهقًا، خائفًا، لكنه طبيعي.

ضحك بصوت متقطع، كأنه نجا من شيء لا يُوصف.

مرّت أيام… ثم أسابيع.

لم يحدث شيء غريب.

عاد كريم لحياته الطبيعية، أو هكذا ظن.

لكنه بدأ يلاحظ تفاصيل صغيرة… مرعبة.

صورته في الهاتف لا تشبهه تمامًا.

ظله أحيانًا يتأخر عنه.

وصوته في التسجيلات… يبدو وكأنه لشخص آخر.

وفي أحد الأيام، بينما كان جالسًا يشاهد التلفاز، لمح انعكاسه على شاشة سوداء.

كان يحدّق به.

لكن هذه المرة…

لم يكن يبتسم.

بل كان ينظر إليه… بنظرة حقد.

ببطء… بدأ الانعكاس يهمس.

لكن الصوت لم يخرج من التلفاز.

بل من خلفه.

تجمّد كريم، ولم يجرؤ على الالتفات.

الهمس أصبح أوضح:

“دوري الآن… أنت فقط كنت البداية.”

دمعت عيناه، وأنفاسه تسارعت. شعر بشيء يقترب منه… نفس الإحساس الذي شعر به تلك الليلة.

لكن هذه المرة… لم تكن هناك نافذة تفصل بينهما.

وفي الصباح التالي…

كانت الشقة هادئة تمامًا.

الباب مفتوح.

ولا يوجد أي أثر لكريم.

لكن في الزجاج…

إذا نظرت جيدًا…

قد ترى شخصًا يقف هناك.

ينظر إليك.

وينتظر… دوره التالي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
bode King تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

0

مقالات مشابة
-