صدى الغرف المنسية
صدى الغرف المنسية

في أطراف قرية "وادي الصمت"، حيث تلتف أغصان الأشجار العارية كأصابع مخيفة حول المنازل القديمة، يبرز قصر "آل مرزوق". لم يكن مجرد بناء حجري متآكل، بل كان أسطورة حية يتناقلها الصبية في همس؛ قصر لا تدخله الشمس، ولا تغادره الغربان.
قرر "ياسين"، وهو شاب هاوٍ لاستكشاف الأماكن المهجورة، أن يكسر حاجز الخوف الذي ضربه القرويون حول المكان. في ليلة خريفية باردة، حيث كان ضوء القمر شاحبًا كوجه ميت، وقف أمام البوابة الحديدية الصدئة. صرير البوابة وهي تُفتح كان يشبه صرخة مكتومة من أعماق الأرض، لكن فضوله كان أقوى من غريزة البقاء لديه.
بمجرد دخوله الردهة الرئيسية، انقبض صدره برائحة العفن والغبار الكثيف. كانت اللوحات المعلقة على الجدران تصور أشخاصًا بملامح جامدة، بدت عيونهم وكأنها تتحرك مع كل خطوة يخطوها. أخرج كشافه اليدوي، ليرى خيوط العنكبوت تتدلى كستائر من الحرير الأسود. فجأة، سمع صوتًا خافتًا.. "تكتكة" منتظمة لساعة حائط قديمة، رغم أن كل الساعات في القصر كانت محطمة ومنذ عقود.
صعد الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدميه، متوجهًا نحو الطابق العلوي حيث الغرفة "المغلقة". تقول الأسطورة إن ابنة صاحب القصر فُقدت هناك ولم يُعثر لها على أثر. عندما وصل إلى الباب، وجده مواربًا، وانبعث منه ضوء أخضر باهت لا مصدر له. دفع الباب ببطء، فاستقبله برد قارص جمد الدماء في عروقه.
كانت الغرفة نظيفة بشكل مريب، وكأن شخصًا ما رتبها للتو. وعلى المرآة الكبيرة في الزاوية، رأى انعكاسًا لم يكن له؛ رأى فتاة صغيرة بملابس بيضاء ممزقة تقف خلفه مباشرة. تيبس جسد ياسين، وحاول الالتفات لكن رقبته رفضت الطاعة. في المرآة، بدأت الفتاة تبتسم، واتسعت ابتسامتها بشكل غير طبيعي حتى وصلت إلى أذنيها، بينما بدأت عيناها تسيلان بمادة سوداء كالقطران.
همست الفتاة بصوت يشبه حفيف الورق اليابس: "أخيرًا.. جاء من يكمل اللعبة". في تلك اللحظة، انطفأ كشاف ياسين تمامًا. ساد ظلام دامس، ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه المتسارعة وصوت أنفاس ثقيلة لا تخصه. حاول الركض نحو المخرج، لكن الأبواب بدأت تتلاشى، والجدران بدأت تضيق عليه وكأن القصر يتنفس.
عند الفجر، وجد أهل القرية بوابة القصر مفتوحة على مصراعيها. لم يجدوا أثرًا لياسين، سوى كشافه اليدوي ملقى في الردهة، وبجانبه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يده، لكن الحروف كانت غريبة، كأنها نُقشت بظفر حاد: "الخروج ليس خيارًا.. نحن الآن جزء من الحكاية".
منذ ذلك اليوم، يقول العابرون إنهم يرون ضوءًا خافتًا في النافذة العلوية، وخيال شاب يقف بجانب فتاة صغيرة، ينتظران الزائر القادم ليكسر ملل السنين
يتحول ياسين إلى حارس جديد للقصر بعد أن أصبح جزءًا من عالم الأرواح، ليجد نفسه محاصراً داخل غرف المشوهة وعليه إرشاد التائهين. يضطر ياسين لتشويه صورته أمام صديقه عمر ليخيفه ويدفعه للهروب، مقراً ببدء دوره الأبدي في حراسة المكان