"دقة قلب.. ورا الشباك الموارب"
“دقة قلب.. ورا الشباك الموارب”

كانت الساعة داخلة على 11 بالليل، والهدوء في حارة "السيوفي" ملوش صوت غير صوت "خبطة" شباك خشب قديم فوق بيت عم عبده العطار. نور الغرفة كان هادي، ونسمة الهوا بتاعة الربيع بتلعب بستاير الأوضة، ومعاها قلب "ليلى" اللي كان بيدق بسرعة مش مفهومة. ليلى كانت واقفة ورا الشباك، ماسكة في إيدها كتاب قديم بس عينيها مش في الكلام، عينيها كانت في الشارع تحت، مستنية "آدم".
آدم ابن الحارة اللي سافر وبقاله خمس سنين غايب، والنهاردة سمعت إنه رجع. الحارة كلها كانت بتهلل لرجوعه، بس هي كانت الوحيدة اللي ساكتة.. سكوت مليان كلام مبيخلصش. فجأة، ظهر خيال طويل من أول الشارع. مشيته كانت واثقة، وكتوفه عريضة، ولابس قميص كحلي شمره لحد كوعه. ليلى حبست نفسها، ورجعت ورا الستارة خطوة عشان ميشوفهاش، بس هي كانت شايفة كل تفصيلة فيه. ملامحه اتغيرت، بقى فيه هيبة وتجاعيد خفيفة عند عينه من الضحك أو التعب، بس لسه فيه نفس لمعة العين اللي كانت بتخليها تتوه وهي عندها 16 سنة. آدم وقف فجأة قدام بيتها، وكأنه شم ريحة ذكرياته هناك. بص لفوق، للشبّاك اللي هو عارفه كويس، الشباك اللي كان بيبعتله منه رسايل "طيارات ورق" وهو عيل صغير. ليلى قلبها وقع في رجليها لما لقت عينيه بتدور على طرف الستارة. في اللحظة دي، سمعت صوت مامتُه وهي بتنادي عليه بفرحة: "يا آدم يا حبيبي، الأكل برد، سيبك من الحارة دلوقتي وتعالى ارتاح!" آدم ابتسم، ولسه عينه متعلقة بالشباك، وقال بصوت واطي بس واصل لمسامع ليلى:
"الحارة موحشتنيش يا أمي.. اللي وحشني كان ساكن في الحارة."
نزل الكلام على ليلى زي المطر في عز الصيف، جسمها اتنفض وقفلت الشباك بسرعة وهي بتنهج. قعدت ورا الباب وضمت الكتاب لصدرها. "هو لسه فاكر؟ ولا ده مجرد كلام؟" الأسئلة كانت بتاكل في عقلها، بس دقة قلبها كانت بتقولها إنه مرجعش عشان الحارة، هو رجع عشان الوعد اللي سابه تحت الشباك ده من خمس سنين لما قالها: "هلف الدنيا، وهرجع ألاقيكي لسه بتستنيني يا ليلى.. مش كدة؟" تاني يوم الصبح، ليلى نزلت تجيب عيش، كانت بتحاول تبان طبيعية، لابسة دريس سماوي بسيط وطرحة بيضا، بس أول ما شافت "آدم" واقف عند العطار بيتكلم مع والدها، رجليها خذلتها. آدم لف بوشه، والمرة دي مكنش فيه ستارة تفصل بينهم. قرب منها ببطء، والناس حواليهم كأنهم اختفوا. وقف قدامها، والمسافة بينهم مكنتش تسمح غير بصوت الأنفاس.
* "صباح الخير يا ليلى.. كبرتي وبقيتي أجمل مما كنت بتخيل في غربتي."
ليلى حاولت تجمع شجاعتها وردت بصوت مرعوش: "حمد لله على السلامة يا بشمهندس آدم، نورت الحارة." آدم ضحك ضحكة خفيفة هزت كيانها وقال: "بلاش بشمهندس دي.. أنا لسه آدم بتاع زمان، اللي كان بيسرق الورد من جنينة المدرسة عشان يديكي واحدة ويجري.. فاكرة؟" ليلى بصت في الأرض وهي بتبتسم غصب عنها، بس فجأة ملامح آدم اتغيرت وبقت جد، ووطى صوته وقال: "أنا جيت يا ليلى عشان آخد الرد على سؤالي القديم.. لسه بتستنيني؟" قبل ما ترد، ظهر "ياسين" ابن خالتها، اللي الحارة كلها عارفة إنه عايز يخطبها، ووقف بينهم وبص لآدم بنظرة تحدي: "أهلا يا آدم، نورتنا.. بس الظاهر الغربة نستك إن في حاجات هنا اتغيرت، وليها ناسها." الجو اتكهرب، وليلى شافت في عين آدم شرارة غضب هادي، وفي عين ياسين غيرة عمياء. الحكاية مكنتش مجرد رجوع غايب، دي كانت بداية حرب بين ماضي مبيتمحيش وحاضر بيحاول يفرض نفسه. يا ترى ليلى هتقدر تختار بين الوعد القديم وبين الواقع اللي حواليها؟ وآدم ناوي يعمل إيه عشان يرجع مكانه في قلبها؟
حابب نكمل الجزء التاني ونعرف المواجهة اللي هتحصل بين آدم وياسين في فرح ابن العطار؟