ليلة "الصدى الأخير": حارس المقبرة الذي لم يعد

ليلة "الصدى الأخير": حارس المقبرة الذي لم يعد

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ليلة "الصدى الأخير": حارس المقبرة الذي لم يعد

image about ليلة

توقفت عقارب الساعة في تلك القرية المنسية عند حدود الثامنة مساءً، ليس لأنها تعطلت، بل لأن الجميع كان يخشى ما سيحدث بعد هذا الوقت. في قرية "وادي الصمت"، كان هناك قانون غير مكتوب: لا تنظر إلى النافذة، ولا تفتح الباب لأي طارق، ولا تصدق الصدى.

​كان "عيسى" شاباً لا يؤمن بهذه الخرافات، أو هكذا ظن عندما وافق على وظيفة "حارس المقبرة" الجديدة التي رفضها الجميع. كانت المقبرة تقع على تلة مرتفعة تحيط بها أشجار السرو الكثيفة التي بدت في الليل كأصابع عملاقة تحاول ملامسة السماء السوداء.

​الليلة الأولى: الصمت الكاذب

​في ليلته الأولى، جلس عيسى في غرفته الصغيرة بمدخل المقبرة. كان الجو بارداً بشكل غير طبيعي، رغم أننا في عز الصيف. أشعل سيجارته وبدأ يقرأ كتاباً، حتى سمع ذلك الصوت.

​تيك... تيك... تيك…

​لم يكن صوت ساعة، بل كان صوت أظافر تنقر على زجاج النافذة. تجمّد عيسى في مكانه. كان يعرف أن الغرفة مرتفعة عن الأرض بامتار، ولا يمكن لأي إنسان أن يصل إلى النافذة دون سلم. تجرأ ونظر، لكنه لم يجد شيئاً سوى الضباب الكثيف.

​الليلة الثانية: الصدى والمحاكاة

​في الليلة التالية، حدث ما هو أغرب. بينما كان عيسى يتجول بمصباحه بين القبور، سمع صوته هو! نعم، سمع صوته يناديه من خلف أحد الشواهد القديمة:

"عيسى... لا تذهب إلى هناك... عيسى... ارجع".

​توقف قلبه لثانية. كان الصوت مطابقاً لنبرة صوته تماماً، حتى في "بحة" صوته الخفيفة. اقترب ببطء من القبر الذي خرج منه الصوت، ليرى أن القبر محفور ومفتوح، والشاهد مكتوب عليه اسمه: عيسى بن آدم - تاريخ الوفاة: الليلة.

​سقط المصباح من يده وانطفأ. ساد ظلام دامس لا يقطعه إلا ضوء القمر الباهت. بدأ عيسى يركض باتجاه كوخه، لكن الأرض بدت وكأنها تمتد. كلما ركض أكثر، بدت البوابة أبعد.

​المواجهة مع “الصدى”

​وصل عيسى إلى الكوخ وأغلق الباب بالمزلاج، وهو يتنفس بصعوبة. فجأة، سمع صوت طرقات خفيفة على الباب. ثم صوت أمه!

"يا عيسى.. افتح يا بني، أنا بردانه.. افتح يا عيسى".

​انهمرت الدموع من عينيه، كاد أن يفتح الباب من شدة الحنين، لكنه تذكر فجأة: أمه توفيت منذ عشر سنوات ودُفنت في المدينة، وليس هنا!

بدأ الصوت يتغير، لم يعد صوت أمه الحنون، بل أصبح صوتاً خشناً ومقطعاً كأنه يخرج من حنجرة مليئة بالتراب: "افتح... نحن ننتظرك... المقعد شاغر... القبر بارد... افتح!".

​بدأ الباب يهتز بعنف، والخشب يتشقق. نظر عيسى حوله باحثاً عن مخرج، فرأى في المرآة المعلقة على الحائط شيئاً جعله يتصلب. لم يكن يرى انعكاسه هو، بل كان يرى جسداً مغطى بالكفن يقف خلفه مباشرة في الغرفة، رغم أنه لا يشعر بوجود أحد.

​النهاية: الفراغ المطبق

​حاول عيسى الصراخ، لكن صوته لم يخرج. شعر ببرودة شديدة تخترق ظهره، وكأن يداً من ثلج وضعت على كتفه. التفت ببطء، ليجد الغرفة فارغة تماماً، لكن عندما نظر إلى الأرض، وجد آثار أقدام طينية تمشي باتجاهه، رغم عدم وجود أحد يحركها.

​في الصباح التالي، جاء أهل القرية ليجدوا باب الكوخ مفتوحاً على مصرعيه. لم يجدوا أثراً لعيسى، لا جثة ولا ملابس. الشيء الوحيد الذي وجدوه كان كتاب الحراسة الخاص به، وفي الصفحة الأخيرة كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بخط يده، لكنها مكررة مئات المرات حتى غطت الورقة باللون الأسود:

"أنا لست وحدي... أنا لست وحدي... أنا لست وحدي".

​ومنذ ذلك اليوم، يقول عابروا السبيل قرب تلك المقبرة، إنهم إذا نادوا بأسمائهم بصوت عالٍ، لا يرجع الصدى بأسمائهم، بل يسمعون صوتاً شاباً يهمس من تحت الأرض:

"لا تفتحوا الباب... القبر بارد جداً".

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdo ali تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-