صدى النوافذ المغلقة

صدى النوافذ المغلقة
لم يكن مروان يؤمن بأن الجدران تحوز أرواحاً، لكن قصر عائلة "الراوي" كان له رأي آخر. القصر الذي بُني في أواخر القرن التاسع عشر وظل مغلقاً لأكثر من سبعين عاماً، تفوح منه رائحة الرطوبة والورق العفن. كُلف مروان بمعاينة الهيكل الإنشائي للمبنى قبل بيعه بالمزاد العلني. كان يعلم أن المهمة ستكون كئيبة، لكنه لم يتوقع أبداً حجم الخلل الذي سيواجهه.
أول ما لاحظه مروان بعد ساعتين من العمل هو الغياب التام للمرايا. كل الحمامات، غرف النوم، وحتى ردهة الاستقبال الخشبية الفاخرة، خلت تماماً من أي سطح عاكس. في المقابل، كانت هناك نوافذ ضخمة ممتدة من الأرض إلى السقف، لكن زجاجها لم يكن شفافاً؛ كان داكناً، سميكاً، ويميل إلى السواد كأنه صُنع من حجر العقيق.
جلس مروان في الصالة الرئيسية ليرتاح قليلاً ويراجع ملاحظاته. كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً، لكن الغيوم بالخارج جعلت الأجواء تبدو كأنها أول الليل. أدار عينيه في الغرفة، ووقعت نظرته على النافذة الكبرى المقابلة له. انعكس ظله على الزجاج الداكن، لكن شيئاً ما في الانعكاس كان خاطئاً.
لم يكن ظله يتحرك بنفس سرعته. عندما رفع مروان يده ليمسح جبينه، تأخر الظل في الزجاج لثانية كاملة قبل أن يفعل الشيء نفسه.
تجمدت الدماء في عروق مروان. أغمض عينيه وهز رأسه قائلاً لنفسه: "إنه الإرهاق وضغط العمل". لكن، مع سكون المكان، اخترق صمت القصر صوت لم يكن يتمنى سماعه أبداً.
طق.. طق.. طق.
صوت نقر خفيف، منتظم، وحاد. التفت يميناً ويساراً، ليتأكد أن مصدر الصوت ليس من السقف أو خلف الأبواب. الصوت كان قادماً من النافذة. اقترب مروان بخطوات ثقيلة، حابساً أنفاسه. وضع يده على سطح الزجاج البارد، وفي تلك اللحظة بالذات، رأى الانعكاس بوضوح.
لم يكن ينظر إلى نفسه. كان هناك كائن يقف في "الجانب الآخر" من الزجاج. كان يشبه مروان في تفاصيله، لكن عينيه كانتا عبارة عن تجويفين مظلمين فارغين، وابتسامته تمتد بشكل غير طبيعي لتصل إلى أذنيه. الشيء المرعب حقاً هو أن هذا الكائن كان يرفع يده وينقر على الزجاج من الداخل.
تراجع مروان إلى الخلف وهو يصرخ، وسقط على الأرض. وفي ثوانٍ، تحول القصر الهادئ إلى جحيم من الأصوات. بدأت جميع النوافذ في الصالة، وفي الممرات العلوية، وفي الغرف البعيدة، تهتز بعنف. أصوات طرقات متسارعة، قوية، كأن عشرات الأيدي تحاول تحطيم الزجاج من الداخل للخروج إلى عالمه.
حاول مروان النهعوض والركض نحو الباب الرئيسي، لكنه وجده قد أُغلق بقوة وكأن قوة غير مرئية تضغط عليه. التفت وراءه ليرى الكيانات في الزجاج بدأت تضغط بأجسادها المشوهة على النوافذ. ظهرت شروخ بيضاء صغيرة على الزجاج الداكن. لم تكن الشروخ تخرج للخارج، بل كانت تتسع من الداخل، وبدأ ضباب أسود بارد يتسرب من تلك الشروخ ويمر عبر فجوات الزجاج.
ومع كل شرخ يتسع، كان مروان يشعر بجزء من طاقته وحياته يُسحب منه. أدرك في تلك اللحظة السر وراء اختفاء عائلة الراوي؛ القصر لم يكن مسكوناً بالأشباح، بل كان سجيناً لنوافذ تعكس الأبعاد المظلمة، والآن، حان دوره ليكون الانعكاس القادم خلف الزجاج، يطرق إلى الأبد بانتظار ضحية جديدة.