صدى الغرفة المغلقة

صدى الغرفة المغلقة
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما استيقظ مراد على صوت "نقش" خفيف يأتي من خلف جدار غرفته. لم يكن صوتاً غريباً تماماً؛ فقد اعتاد عليه منذ أن انتقل إلى هذا البيت القديم المستأجر بأرخص الأسعار في أطراف المدينة. كان يواسي نفسه دائماً قائلاً: "إنها مجرد فئران في الجدران"، لكن هذه الليلة، كان الصوت مختلفاً... كان يبدو كأوصال تُجر، أو أظافر بشريّة تحفر في الخرسانة.
جلس مراد في سريره، وأنفاسه تتسارع. تذكر كلام حارس البناية العجوز حين حذره بنبرة خافتة: "لا تقترب من الغرفة التي في نهاية الممر، لقد أُغلقت بالطوب منذ عشرين عاماً ولسبب وجيه". في ذلك الوقت، سخر مراد من الخرافات، لكن الآن، والبرودة تنهش عظام الغرفة رغم حرارة الصيف، بدا تحذير العجوز كأنه حبل يلتف حول عنقه.
الفضول القاتل
لم يستطع المقاومة. أضاء كشاف هاتفه وسار بخطوات متثاقلة في الممر المظلم. كانت الرطوبة تزداد كلما اقترب من نهاية الممر، ورائحة غريبة تشبه العفن والحديد—رائحة الدماء القديمة—تزكم الأنوف.
وقف أمام الجدار المسدود. كان الطوب قديماً ومتآكلاً، والصوت يأتي من خلفه مباشرة. طق... طق... طق... ثم فجأة، توقف الصوت. حلّ صمت رهيب، صمتٌ جعله يسمع دقات قلبه المتسارعة كطبول الحرب.
همس مراد بصوت مرتعش: "هل هناك أحد؟"
لم يأته رد لفظي، بل جاءت إجابة جعلت دمه يتجمد في عروقه. سقطت قطعة من الإسمنت الجاف من الجدار، تلتها قطعة أخرى، ثم ظهرت فجوة صغيرة بقطر إنش واحد بين الطوب المتآكل.
العين الأخرى
دفعه فضوله القاتل وخوفه الشديد إلى الاقتراب. وضع عينه على الفجوة ليرى ما بداخل الغرفة المظلمة. في البداية، لم يرَ سوى ظلام دامس وسواد حالك. ولكن، بعد ثوانٍ معدودة، انقشع الظلام قليلاً ليحل محله شيء جعل صرخته تحتجز في حلقه.
لم تكن الغرفة فارغة. على الجانب الآخر من الثقب تماماً، كانت هناك عين بشرية جاحظة، رمادية اللون، بلا جفون، تحدق فيه مباشرة بمزيج من الجنون والتعطش!
تراجع مراد إلى الوراء وسقط أرضاً، وقلبه يكاد يثقب صدره. في تلك اللحظة، تعالت أصوات ضربات عنيفة من خلف الجدار، وكأن شيئاً ضخماً يضرب الطوب بكل قوته ليخرج. بدأت الشقوق تتسع في الجدار، وتتساقط الحجارة واحدة تلو الأخرى.
الهروب المستحيل
زحف مراد إلى الخلف وهو يصرخ، محاولاً النهوض والهروب نحو باب الشقة الخارجي. التقط مفاتيحه بيدين ترتعشان بعنف. وفيما كان يحاول إدخال المفتاح في القفل، سمع صوت تحطم الجدار بالكامل في نهاية الممر.
التفت ببطء، ليرى ظلاً أسوداً طويلاً، بأطراف مشوهة غير بشرية، يخرج من وسط الغبار، ويزحف على الجدران والسقف بسرعة مرعبة متجهاً نحوه. كانت تلك العين الرمادية تتوهج في الظلام.
انفتح الباب أخيراً، ألقى مراد بنفسه إلى السلم وهبط الدرج قفزاً وهو يصرخ مستغيثاً. لكن عندما وصل إلى الشارع واعتدل ليتنفس الصعداء، نظر إلى شرفة شقته في الدور الثالث.
لم يكن هناك أحد في الشرفة، لكن على زجاج النافذة، كتبت أصابع ملطخة بسائل أسود مقلوباً من الداخل، لكي يقرأه هو من الخارج:
"لقد تركت الباب مفتوحاً... سأجدك أينما ذهبت."
منذ تلك الليلة، وكلما نام مراد في أي مكان، يسمع صوت الحفر يبدأ مجدداً... تحت سريره مباشرة.