مقالات اخري بواسطة Mohammed
حين تبكي الذكريات

حين تبكي الذكريات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about حين تبكي الذكريات

حين تبكي الذكريات 

 

لم يكن المطر غريبًا على تلك المدينة… لكنه في تلك الليلة كان مختلفًا.

‏كان يسقط ببطء، كأنه يحمل معه حزنًا لا ينتهي. الشوارع خالية، والأضواء خافتة، وكأن العالم كله قرر أن يصمت احترامًا لشيء ما… أو ربما حدادًا عليه.

‏وقف "ياسين" تحت مظلة مكسورة، ينظر إلى السماء بعينين متعبتين، وكأنهما فقدتا القدرة على البكاء.

‏لم يكن حزينًا… بل كان فارغًا.

‏وذلك كان أسوأ.

‏قبل ثلاث سنوات، كان كل شيء مختلفًا. كان ياسين شابًا عاديًا، يضحك، يحلم، ويخطط لمستقبله مع فتاة أحبها أكثر من نفسه… "ليان".

‏كانت ليان أشبه بالضوء في حياته. لم تكن مجرد حبيبة، بل كانت وطنًا كاملًا يسكنه. حين كانت تبتسم، كان يشعر أن العالم بخير. وحين تغضب، كان يحاول بكل الطرق أن يعيد لها تلك الابتسامة.

‏لكن كل شيء تغير في ليلة واحدة.

‏ليلة لم يكن يجب أن تحدث.

‏في ذلك اليوم، كانا يسيران معًا تحت المطر… تمامًا مثل هذه الليلة.

‏قالت ليان وهي تضحك: “تخيل لو اختفينا فجأة… هل سيتذكرنا أحد؟”

‏ضحك ياسين ورد: “أنا لن أنساكِ أبدًا… حتى لو اختفى العالم كله.”

‏نظرت إليه بنظرة غريبة، وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه.

‏ثم قالت بهدوء: “حتى لو أنا اختفيت فعلًا؟”

‏توقف للحظة، ثم قال بثقة: “سأبحث عنكِ… حتى لو اضطررت أواجه العالم كله.”

‏ابتسمت.

‏لكن تلك الابتسامة… لم تكن طبيعية.

‏في نفس الليلة، حدث الحادث.

‏صوت الفرامل… صرخة… ثم صمت.

‏حين فتح ياسين عينيه، كان في المستشفى. جسده مليء بالجروح، ورأسه يدور من الألم.

‏أول شيء قاله: “ليان… فين ليان؟”

‏لكن لا أحد أجاب.

‏تكرر السؤال… مرة… مرتين… عشر مرات.

‏حتى جاء الطبيب، ونظر إليه بنظرة لم يفهمها في البداية.

‏ثم قال الجملة التي دمرت كل شيء:

‏"البقاء لله…"

‏منذ ذلك اليوم، لم يعد ياسين كما كان.

‏توقف عن الضحك.

‏توقف عن الحلم.

‏توقف عن الشعور.

‏كان يعيش… فقط لأنه لم يمت.

‏عاد إلى نفس المكان الذي كانا يقفان فيه دائمًا.

‏تحت نفس الشجرة… بجانب نفس الطريق.

‏لكنها لم تكن هناك.

‏جلس على الأرض، والمطر يغسل وجهه.

‏همس بصوت مكسور: “أنا وعدتك… إني مش هنساك… بس أنا مش قادر أكمل لوحدي.”

‏أخرج من جيبه قلادة صغيرة… كانت تخصها.

‏كانت آخر شيء تبقى منها.

‏ضغط عليها بقوة، وكأنها الشيء الوحيد الذي يربطه بالحياة.

‏مرت الأيام… ثم الشهور… ثم السنوات.

‏لكن الألم لم يتغير.

‏بل أصبح أعمق.

‏في أحد الأيام، بينما كان ياسين يمشي بلا هدف، لاحظ شيئًا غريبًا.

‏فتاة تقف في نفس المكان.

‏تحت نفس الشجرة.

‏ترتدي نفس اللون الذي كانت تحبه ليان.

‏وتنظر إلى السماء… بنفس الطريقة.

‏تجمد مكانه.

‏قلبه بدأ ينبض بسرعة.

‏خطواته أصبحت ثقيلة.

‏اقترب ببطء…

‏حتى أصبحت على بعد خطوات منها.

‏ثم قال بصوت مرتجف:

‏"ليان…؟"

‏استدارت الفتاة ببطء.

‏لكن…

‏لم تكن ليان.

‏كانت تشبهها.

‏بشكل مخيف.

‏نفس العيون… نفس الملامح… حتى نفس النظرة الحزينة.

‏لكنها لم تكن هي.

‏نظرت إليه باستغراب وقالت: “حضرتك تعرفني؟”

‏تراجع خطوة للخلف، وكأن العالم انهار مرة أخرى.

‏"أنا… آسف… افتكرتك حد تاني."

‏ابتسمت الفتاة ابتسامة خفيفة، وقالت: “بيحصل كتير.”

‏لكن شيئًا في صوتها… كان مألوفًا.

‏مخيفًا.

‏قبل أن يمشي، سألها: “اسمك إيه؟”

‏ترددت للحظة…

‏ثم قالت:

‏"اسمي… ليان."

‏توقف الزمن.

‏حرفيًا.

‏لم يسمع صوت المطر.

‏لم يرَ الشارع.

‏لم يشعر بشيء.

‏فقط… هذا الاسم.

‏نظر إليها بصدمة: “إنتي… قولتي إيه؟”

‏قالت بهدوء: “ليان… في حاجة؟”

‏بدأت أنفاسه تتسارع.

‏"ده… مستحيل…"

‏همس لنفسه: “أنا بدأت أجن…”

‏لكن الحقيقة كانت أقسى من الجنون.

‏في تلك الليلة، لم يستطع النوم.

‏ظل يفكر في تلك الفتاة.

‏هل هي مجرد صدفة؟

‏أم أن هناك شيئًا أكبر؟

‏شيء لا يفهمه؟

‏وفي منتصف الليل…

‏رن هاتفه.

‏رقم مجهول.

‏تردد للحظة… ثم رد.

‏"ألو؟"

‏لم يأتِ صوت في البداية.

‏ثم…

‏همسة.

‏ضعيفة جدًا.

‏لكنها واضحة.

‏"ياسين…"

‏سقط الهاتف من يده.

‏قلبه توقف.

‏لأنه…

‏يعرف هذا الصوت.

‏صوت ليان.

‏انتهى الجزء الأول…

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohammed تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

4

مقالات مشابة
-