أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر

أرض الصبر للكاتب محمود مجدى من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات




الفصل الحادي عشر

الصبر الذي يزرع الحكاية



في العِزّة، صار الصبر فعلًا جماعيًا.

لم يعد شعورًا فرديًا، بل طريقة حياة.

كل شارع، كل بيت، وكل نافذة تتنفس الصمود، كأن المدينة نفسها تعلمت أن تنتظر بلا شكوى.


زينب صارت رمزًا لهذا الصبر.

في كل صباح، تعتني بالبيت، بالطفل، بالجار، وبصوت المدينة الخافت. لم تعد تتحدث كثيرًا، لكنها كانت تسمع كل شيء. كانت تعرف أن الكلمات أحيانًا تكون عبئًا أكثر مما تكون سندًا.


حمزة أصبح أكثر وعيًا، رغم صغر سنه.

يحفظ آيات قصيرة، يسأل أسئلة قليلة لكنها عميقة:

«أمّي… ليه الناس بتصبر؟»

تبتسم زينب، وتقول بهدوء:

«عشان الصبر يُعلّمنا نكبر قبل أن نكبر».

الطفل يبتسم، ويشعر بثقل جديد على قلبه الصغير.


في المسجد، جلس بعض الشبان يستمعون لتلاوة خافتة.

لم تكن مجرد صلاة، بل محاولة لفهم ما يحدث. بعضهم صامت، وبعضهم يحدق في الأرض. لم يخرج أحد بكلمة، لكن كل شخص كان يضيف صبره إلى صبر الآخرين، وكأن الطاقة الخفية تتراكم.


أما يحيى، فكان يتحرك في زمنه الخاص.

المقاومة لم تعد سلاحًا فقط، بل فكرة. كان يعلم أن الناس الذين حوله يحتاجون إلى مثال حي. لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل عن استمرار الحكاية، حتى لو كان هو الغائب عنها الآن.


في أحد الأيام، جاء خبر صغير، لكنه أثقل من جبل.

جارٌ مقرب، اختفى. لم يُقال الكثير، لكن الجميع شعر بوجوده في كل حديث، في كل همسة، في كل خطوة. زينب جلست قرب حمزة، وأخبرته أن الصبر هو الطريقة الوحيدة للمواجهة. لم يفهم الطفل بالكامل، لكنه أحس بصدقها، فقبّل يديها بصمت.


مع مرور الأيام، بدأ أثر الغياب يظهر بوضوح.

المدينة تغيّر أحيانًا، ببطء، أحيانًا بشكل خفي. الشوارع التي كانت تعج بالحديث، صارت أهدأ. الوجوه التي كانت صاخبة، صارت أكثر تركيزًا. كل شيء كان يعلّم درسًا واحدًا: أن الحكاية ليست فقط في وجود الشخص، بل في استمرار قيمه وأفعاله.


في إحدى الليالي، جلست زينب قرب النافذة، تنظر إلى الأفق، وتهمس:

«إحنا هنا… وقصتنا لا تموت».

كانت الكلمات بسيطة، لكنها ثقيلة بالمعنى. لم تتخيل أن الغياب الذي شعرت به سيصبح سببًا لصوت أقوى في المدينة.


وفي الداخل، كان حمزة نائمًا،

والبيت كله يشعر بأن الصبر ليس مجرد انتظار، بل قوة تزرع الحكاية نفسها في كل قلب حي.


انتهى الفصل الحادي عشر.























الفصل الثاني عشر

أول شرارة المقاومة



في العِزّة، لم يعد الصبر وحده كافيًا.

كانت المدينة التي تعلمت الانتظار تعرف أن الوقت حان للفعل، وإن كان صامتًا وخفيًا.

يحيى الأحمد، رغم غيابه الجسدي، كان حاضراً بروحه في كل خطوة، وكل فكرة بدأت تنتشر بين أبناء المدينة.


بدأت التحركات الصغيرة:

نشرات مكتوبة تُوزع خفية، كلمات على الجدران تُذكّر الناس بحقهم في الحرية، ولقاءات قصيرة في الزوايا الخلفية للمساجد والبيوت. لم تكن هذه التحركات كبيرة، لكنها كانت كافية لإشعال شعور متجدد بالقوة في النفوس.


في البيت، زينب شعرت بالتغيير في الهواء.

الرسائل الصغيرة تصل عبر الجيران، التحركات المرئية والأخبار المكتومة تجعلها أكثر يقظة، لكنها لا تفقد هدوءها. رتّبت البيت بعناية، حضرت الطعام، ثم جلست مع حمزة تحكي له حكايات قصيرة عن الشجاعة، لا عن الحرب، بل عن الثبات في المواقف الصعبة.


الطفل أصبح يلاحظ ما حوله.

حين يمرّ رجل يحمل رسالة خفية، أو حين يسمع همسات الجيران، ينظر إلى أمه ويسأل:

«إحنا كمان جزء من ده؟»

تبتسم زينب، وتقول بهدوء:

«كل واحد فينا ليه دور… حتى لو صغير».

الطفل يبتسم ويستوعب، دون أن يعرف التفاصيل.


أما يحيى، فقد كان يخطط بصمت، يضع قواعد غير مرئية.

كان يعرف أن المقاومة ليست عنفًا فقط، بل فكرة، صبر، وإيمان. كان يراقب، يعلّم من بعيد، ويرسل رسائل غير مباشرة للمدينة، تُعيد ترتيب أولوياتها: الثبات، الإيمان، والعمل الصامت.


في أحد الأيام، ارتفعت أصوات بعيدة، لكنها لم تكن صاخبة.

كانت صفارات قصيرة، خطوات مزدوجة، أصواتاً تُسمع في الليل. الجميع شعر بأن شيئًا يتحرك. لم تكن الفوضى حاضرة، بل الوعي بأن هناك قوة بدأت تظهر، وأن النضال ليس خيارًا، بل واجب.


جلست زينب قرب النافذة في تلك الليلة، تنظر إلى الأفق، وتهمس:

«المدينة بدأت تتنفس… وسنثبت أننا موجودون».

كان الكلام هادئًا، لكنه أثقل من أي صرخة. لم يعد الخوف وحده يسيطر، بل شعور بالقدرة على المواجهة.


وفي الخارج، كانت العِزّة على وشك أن تبدأ فصلًا جديدًا من تاريخها.

المقاومة بدأت تتشكل،

والخطوة الأولى غالبًا ما تكون الأثقل،

لكنها أيضًا الأجمل لأنها تصنع الأمل.


انتهى الفصل الثاني عشر.



























 


أولى الانفجارات



لم تكن الانفجارات الأولى صاخبة كما في الحكايات، لكنها حملت رنينها في النفوس.

في العِزّة، شعر الجميع أن شيئًا كبيرًا قد بدأ. كل نافذة، كل شارع، وكل حائط يحكي عن صمود لا يُقاس بالسلاح وحده.


يحيى الأحمد كان يعرف أن البداية دائمًا هادئة، لكن أثرها طويل.

في الليالي السابقة، رتّب الأمور بعناية: الاتفاقات الصغيرة، المنشورات الخفية، أماكن التجمع، وكل ذلك كان يمر بصمت. لكنه لم يكن صامتًا في القلوب؛ كل من يشارك، يشعر بثقل المسؤولية وقيمة العمل الصامت.


في البيت، زينب شعرت بهدوء قبل أي صوت.

الخبر وصلها عبر الجيران: انفجار صغير قرب الطريق الخلفي للمدينة، لإرسال رسالة للمحتل بأن العِزّة لم تعد صامتة. جلست قرب حمزة، أمسكت يده، وقالت:

«شوف… الصبر أصبح فعل».

الطفل نظر بدهشة، ثم فهم أن ما كان صامتًا صار حيًا الآن.


المقاومة لم تكن مجرد انفجارات أو عبوات، بل فكرة:

رسائل تُوزع، جدران تُكتب عليها كلمات من الإيمان، وأحاديث تُهمس في الظلام. كل ذلك كان يزرع الثبات في النفوس.

يحيى كان يعلم أن هذه البداية هي اختبار المدينة، واختبار العائلات: من يصبر، ومن ينهار.


في إحدى الليالي، خرج يحيى مع مجموعة صغيرة لوضع منشورات.

القلوب كانت تخفق بانتظام، لا خوفًا، بل تركيزًا. كانت الصلاة والقرآن والصوم هي ما يعطي القوة، كما كان يقول لنفسه دائمًا: «الإيمان يصنع درعًا لا يكسّر».


عاد إلى البيت قبل الفجر. وجد زينب تنتظره في هدوء، دون كلمات كثيرة.

جلسا قليلًا مع حمزة. الطفل سأل بصوت خافت:

«بابا… إحنا عملنا حاجة صح؟»

ابتسم يحيى، وقال:




«إحنا بنصنع قصة… كل خطوة فيها بتكون صح لو إحنا مع بعض ومع ربنا».



في الخارج، كانت المدينة تتنفس بصعوبة، لكن بقوة أكبر من أي وقت مضى.

الانفجار لم يكن نهاية، بل بداية:

إعلان بأن العِزّة مستمرة، وأن كل خطوة صبر وصمت كانت تمهّد لما سيأتي.


وفي تلك الليلة، جلس يحيى عند نافذة مرتفعة، ينظر إلى المدينة.

شعر بأن القادم لن يكون سهلًا، لكن قلبه كان ثابتًا.

الإيمان كان يضيء الطريق، والتضحيات كانت تزرع القوة في النفوس.


انتهى الفصل الثالث عشر.







الفصل الرابع عشر

مواجهة الظلام


في العِزّة، لم يعد الصمت خيارًا.

كان كل شارع، وكل بيت، وكل نافذة تُشعر بأن الوقت قد حان لمواجهة الحقيقة.

يحيى الأحمد شعر أن المرحلة القادمة ستكشف معدن المدينة، ومعها معدن أهله وأصدقائه.


بدأت التحركات العلنية، لكن بحذر شديد.

الانفجارات الصغيرة تتابعت، المنشورات وصلت لكل زاوية، والرسائل المخبأة حملت روح المدينة الصامدة.

كل خطوة كانت محسوبة، وكل شخص يعرف دوره بدقة.

يحيى لم يكن قائدًا ظاهرًا، لكنه قلب النبض الخفي، يوجّه دون أن يُكشف.


في البيت، شعرت زينب بالشدّة تتسلل إلى كل حركة.

الأطفال نائمون، لكنها لم تترك مكانها للحيرة. رتّبت البيت، وضعت الطعام، ثم جلست قرب نافذة صغيرة، تراقب المدينة كأنها تتنفس مع كل خطوة مقاومة.

حمزة بدأ يفهم أن والده ليس مجرد شخص، بل فكرة: قوة مستمرة حتى في الغياب.


في المساء، ارتفعت الأصوات في بعض الأحياء.

كان المحتل يحاول فرض هيبته، لكنه اكتشف أن العِزّة لم تعد تخضع.

الخطوات الأولى لمواجهة المحتل كانت صامتة، لكنها مؤثرة: عبوات صغيرة تُزرع بدقة، رسائل تهز النفوس، ونشرات تصل إلى الجميع.

المدينة نفسها شعرت بأنها تعيش في زمن جديد، زمن يُعيد تعريف القوة والصمود.


يحيى وقف مع مجموعة مقاومين قرب أحد الشوارع.

نظر إلى وجوههم، وألقى نظرة خاطفة على المدينة:

«كل خطوة نأخذها الآن… كل خطوة هي رسالة: لن نرحل ولن نستسلم».

لم يكن صوته عاليًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليشعر كل من حوله بثقله.


في الداخل، زينب صلت صلاة الفجر بهدوء، ثم جلست مع حمزة.

حكت له عن الصبر والإيمان، عن أولئك الذين واجهوا المستحيل قبلنا، وعن أن كل تضحية، مهما بدت صغيرة، تصنع فرقًا.

الطفل استمع، وعيناه تتلألأ بالوعي الذي لم يكتسبه بعد سوى من قلب البيت.


الليل جاء ثقيلًا، لكن في كل بيت، كان الإيمان يحرس الصمود.

يحيى عاد قبل الفجر. جلس قليلاً، ثم فتح المصحف، قرأ بصوت خافت، وشعر أن القوة ليست في ما يحدث خارج البيت فقط، بل في ما يزرعه القلب أولًا.

وفي الخارج، كانت العِزّة تواجه أولى المواجهات المباشرة.

لم تكن النهاية قريبة، لكنها شعرت بقرب الانتصار الصغير:

تلك اللحظات التي يكتشف فيها الإنسان أن القوة الحقيقية ليست بالسلاح وحده، بل بالإيمان، الصبر، والوحدة.


انتهى الفصل الرابع عشر.

الفصل الخامس عشر

النصر بعد العسر


في العِزّة، كان الفجر يعلن بداية شيء لم يجرؤ أحد على تصوره منذ زمن طويل.

يحيى الأحمد، بعد سنوات من الصبر والمقاومة، وقف مع المقاومين، قلبه نابض بالإيمان، وعينه شاخصة نحو المدينة التي تحملت كل شيء.

كل خطوة كانت تذكره بأن الصبر والمقاومة، حتى في أصعب اللحظات، لا تذهب هباءً.


في الشوارع، كانت أصوات الهتافات تتعالى.

المحتل لم يعد يسيطر، والمدينة التي طالما عانت، استرجعت حقها في الحياة.

الانتصارات الصغيرة، المنشورات، العبوات، كل شيء أصبح جزءًا من ذروة التحرير.


في البيت، جلست زينب مع حمزة، تنظر إلى الأفق، والدمع يلمع في عينيها، لكنه دمع فرح واعتزاز.

قالت لهما بصوت ثابت:

«كل لحظة صبر، كل دمعة، كل صلاة، كل تضحية كانت تستحق هذا اليوم».

ابتسم حمزة، ولم يفهم كل المعاني، لكنه شعر بالانتصار في قلبه الصغير.


أما يحيى، فقد وقف على أحد الأسطح، يرفع راية الإسلام التي كانت رمزا لكل ما صمدت من أجله المدينة.

الجميع حوله، يعرف أن الطريق لم يكن سهلاً، وأن الغياب والموت كانا جزءًا من رحلة المقاومة.

ابتسم وهو يتذكر كل لحظة صبر، كل لقاء خفي، كل تضحية، وكل دمعة.


لكن النصر لم يأت بلا ثمن.

أصيب بعض الأبطال، وغاب آخرون عن الأنظار، لكن روحهم بقيت حاضرة في كل بيت، في كل شارع، وفي كل قلب آمن بالحرية.

المدينة بكاملها شعرت أن دماء الشهداء كانت الأساس الذي قامت عليه الحرية.


وقف يحيى وزينب قرب بعضهما، ينظران إلى حمزة الذي يمسك يده الصغيرة بين أصابعهما.

قال يحيى:

«تعلم يا بني، أن النصر ليس فقط في الانتصار على الظالم، بل في الصبر، في الإيمان، وفي عدم فقدان الأمل مهما طال الليل».

ابتسم الطفل، واحتضن والديه.


وفي الخارج، كانت العِزّة قد رفعت رأسها.

الراية البيضاء والخضراء ترفرف في كل مكان، شعار الصمود والنصر، ونموذج لكل أمة مقهورة تنتظر الفجر بعد ليل طويل.


وأخيرًا، كتب الزمن حكمة خالدة:

«الأمم التي تصبر، التي تصمد، وتؤمن بالله، مهما طال الظلم، ستجد نصرها، ولو بعد حين…

فالمقاومة، الإيمان، والصبر، هم مفاتيح الحرية الحقيقية».



انتهى الفصل الخامس عشر

ونُهدي الكتاب إلى كل أب وأم وزوجة وأولاد صبروا على قسوة الحياة، وإلى كل من آمن بأن النصر لا يأتي إلا بالإيمان والعمل والصبر.


image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
image about أرض الصبر للكاتب محمود مجدى  من الفصول الحادى عشر حتى الاخير الخامس عشر
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mahmoud soliman تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

1

متابعهم

10

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.