البيت الذي يتنفس في الظلام

البيت الذي يتنفس في الظلام
في أطراف قرية نائية، يقف منزل قديم متآكل، كأن الزمن نفسه تجنّبه. جدرانه متشققة، ونوافذه عمياء، لكن الغريب أن الجميع يتفق على شيء واحد: هذا المنزل لا يبدو فارغًا مهما بدا مهجورًا.
كان أهل القرية يتهامسون دائمًا:
“لا تقترب منه بعد الغروب… فهو لا يحب الزائرين المتأخرين.”
البداية
وصل إلى المكان بدافع الفضول، مدفوعًا برغبة في فهم ما لا يُفسَّر. كان يسمع القصة نفسها من الجميع، بصيغ مختلفة لكن بنهاية واحدة دائمًا:
“من يدخل بعد منتصف الليل… لا يخرج كما كان.”
لكن التحذير لم يوقفه.
الاقتراب
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين وصل.
الهواء بدا أثقل من المعتاد، وكأن المكان يضغط على صدره ليمنعه من التقدم.
المنزل من الخارج لم يكن مخيفًا بشكل مباشر… بل كان “صامتًا أكثر من اللازم”.
حتى الصمت هناك كان يبدو متعمّدًا.
ثم…
سمع صوتًا خفيفًا من الداخل.
طرق… ببطء… ثم توقف… ثم عاد.
كأن شيئًا داخل البيت يدرك أنه موجود.
منتصف الليل
عند اللحظة التي اكتملت فيها الساعة الثانية عشرة، تغيّر كل شيء فجأة.
الهواء توقف.
الأصوات اختفت.
وكأن العالم خارج ذلك المنزل قرر أن يتجاهله.
ثم…
انفتح الباب وحده.
ليس باندفاع… بل ببطء شديد، كأنه يدعوه للدخول.
داخل البيت
الداخل لم يكن طبيعيًا.
المساحة أكبر مما يجب أن تكون عليه من الخارج، كأن الجدران لا تعترف بالمنطق.
وفي الغرفة الأولى… مرايا.
كثيرة.
لكنها لم تكن المشكلة.
المشكلة كانت في الانعكاس.
كان يتحرك معه… لكن ليس في نفس اللحظة.
كان دائمًا متأخرًا بثوانٍ قليلة.
ثم بدأ الانعكاس يفعل شيئًا لم يفعله هو…
ابتسم.
الصوت
من خلفه مباشرة، سمع صوتًا منخفضًا، كأنه صادر من الجدران نفسها:
“لقد تأخرت… لكنك وصلت في النهاية.”
استدار بسرعة.
لا أحد.
لكن في المرايا… لم يكن وحيدًا.
كان هناك “شيء” يقف خلفه، لا يظهر في الواقع… فقط في الانعكاس.
وكان ينظر إليه، لا إلى الخارج…
بل إلى الداخل.
الانهيار
بدأت المرايا تهتز.
اهتزاز خفيف أولًا… ثم كأنها تتنفس.
ثم جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة أقرب:
“نحن لا نسكن هذا المكان… نحن نختار من يراه.”
إحدى المرايا تشققت.
ومن داخلها… ظهر شيء لا يمكن وصفه بوضوح، كأنه امتداد لفراغ يحاول الخروج.
قبل النهاية
اندفع نحو الباب.
لكنه لم يعد بابًا مفتوحًا للدخول… بل جدارًا لا يقبل الخروج.
البيت تغيّر.
لم يعد مكانًا… بل كائنًا يغلق على نفسه ببطء.
الجدران بدأت تقترب.
الممرات تطول ثم تقصر بلا منطق.
والصوت في كل مكان:
“لم يكن عليك أن تأتي وحدك…”
لحظة الصمت
ثم فجأة…
توقف كل شيء.
لا حركة.
لا صوت.
لا حتى تنفس.
وكأن البيت قرر أن ينتظر.
لكن في إحدى المرايا…
كان هناك انعكاس جديد.
لم يعد يقف في الخارج.
بل أصبح يقف داخل البيت.
وينظر إلى الخارج.
وكأنه ينتظر شخصًا آخر.
يتبع…