حين أطفأت اللعنة شمعة الحياة (2)
ابدا لن تموت الحياة

مرّت الشهور بعد رحيل مريم ثقيلة كأنها سنوات.
أصبح البيت صامتًا بشكل مخيف.
حتى ضحكة آدم اختفت، وليلى لم تعد تنام إلا وهي تحتضن ملابس أمها القديمة.
أما يوسف…
فكان يعيش كجسد بلا روح.
يستيقظ فجراً، يجهّز الطعام بصعوبة، يساعد التوأم، يذهب للعمل، ثم يعود منهكًا ليجلس أمام صورة مريم بالساعات.
كان يشعر أن الحياة انتصرت عليه أخيرًا.
لكن في إحدى الليالي، حدث شيء غيّر كل شيء.
بينما كان يرتب أشياء مريم القديمة، سقط من بين ملابسها دفتر صغير لم يكن قد رآه من قبل.
فتح الدفتر بيد مرتجفة، فوجد كلمات كتبتها مريم بخطها البسيط:
“لو تعبت يومًا يا يوسف… أو حسيت إن الدنيا انتهت، أوعى تستسلم.
أنا عمري ما خفت من الفقر… كنت بخاف عليك لما تنكسر.
خلي بالك من آدم وليلى… ومن دعاء ودنيا.
وأوعى تسمح للحزن يطفّي قلبك.”
ظل يوسف يبكي حتى الفجر وهو يقرأ كلماتها مرارًا.
ولأول مرة منذ وفاتها… شعر أن مريم ما زالت بجواره.
في اليوم التالي، نهض مبكرًا بشكل مختلف.
فتح شبابيك البيت كلها، ودخلت الشمس التي غابت طويلًا.
نظر لأولاده وقال بابتسامة متعبة:
“هنبدأ من جديد.
بدأ يوسف يرمم الورشة المحترقة بنفسه.
كان يعمل طوال النهار، وفي الليل يتعلم تصميم الأثاث الحديث من مقاطع الإنترنت والكتب القديمة.
ومع الوقت، بدأ الناس يلاحظون مهارته.
صنع غرفة أطفال بسيطة لزبون ثري أعجب بها جدًا، ثم نشر صورها، لتأتيه طلبات كثيرة بعدها.
وبعد عام واحد فقط… تحولت الورشة الصغيرة إلى معرض أثاث محترم يحمل اسم:
“ورشة مريم.”
أصر يوسف أن يحمل المكان اسمها، لأنها كما كان يقول “هي اللي بنت البيت قبل ما نبني الأثاث.”
أما آدم، فقد أصبح متفوقًا في المدرسة، وكان يساعد والده بعد الدراسة.
وليلى بدأت تضحك من جديد، وتزرع الورود فوق سطح البيت القديم، المكان الذي كانت أمها تحبه.
والأجمل من ذلك…
أن دعاء ودنيا بدأتا تتحسنان نفسيًا بشكل ملحوظ.
فبعد سنوات من الإهمال والتوتر والخوف، صار البيت هادئًا.
كانت ليلى تمشط شعرهما كما كانت تفعل أمها، وآدم يجلس معهما يضحك ويحكي القصص.
حتى سمية…
عاد إليها ضميرها بعد سنوات القسوة.
اكتشفت أن زوجها كان يستغلها ويكذب عليها، وحين مرضت ابنتها ولم تجد من يقف بجوارها، لم تجد إلا يوسف يفتح لها بابه دون عتاب.
بكت يومها كثيرًا وهي تقول:
“سامحني يا أخويا…”
فرد يوسف بهدوء يشبه مريم:
“اللي بينا أكبر من الورث.
مرت سنوات أخرى…
وكبر الأطفال، وكبر معهم وجع يوسف حتى صار هدوءًا ناضجًا.
وفي مساء دافئ، جلس فوق سطح البيت يتأمل السماء.
كانت ليلى تضحك بالأسفل، وآدم يتحدث مع الزبائن داخل المعرض، والتوأم نائمتين بسلام.
رفع يوسف عينيه للسماء وهمس:
“شوفتي يا مريم؟
اللّعنة ماقدرتش تكسرنا…
وأنتِ لسه نور البيت حتى بعد الرحيل.”
ثم ابتسم لأول مرة منذ سنوات…
ابتسامة حقيقية.
وفي تلك اللحظة، شعر أن الحياة لم تُطفأ تمامًا.
بل كانت تنتظر فقط من يعيد إشعال شمعتها من جديد.