خلف جدران الفندق العتيق - قصة حصرية
من روائع "مملكة القصص": خلف جدران الفندق العتيق
لم تكن الحياة يوماً ممهدة بالورود، لكنها أحياناً تقصف بعواصفها ما بنيناه في لحظة واحدة. هكذا بدأت حكايتنا، حين انهار جسد زوجي جراء حادث أليم، واعتلّت صحته ليصبح عاجزاً عن تأمين قوت يومنا. وجدتُ نفسي، أنا التي لم أكمل تعليمي ولم أطأ أرض العمل يوماً، شراعاً وحيداً في وجه ريح عاتية؛ فالعوز لا يرحم، وبكاء الأطفال لا ينتظر، والفرص أمامي كانت ضيقة بضيق ذات اليد. ودّعتُ زوجي بقبلة مواساة حانية، وهو يرجوني الصبر والتحمل واعداً إياي بالالتزام بعلاجه، فوعدتُ نفسي بأن أكون درع العائلة، متسلحة بالشجاعة والواقعية.

رمت بي الأقدار في فندق شاهق الفخامة، شاسع الغرف، يغشاه بريق زائف من الثراء. هناك، انضممت إلى فريق عاملات التنظيف، وكان العبء ثقيلاً والخطى منهكة، لكنني لم أدع التعب يتسلل إلى عائلتي، فكنت أعود كل مساء لأغرق في النوم بعد أن يربت زوجي على شعري ممتناً تضحيتي.
تأقلمتُ مع العمل سريعاً، ولقيتُ من زميلاتي ترحيباً أثلج صدري، باستثناء امرأة واحدة كانت تديرنا بقبضة من حديد: السيدة "هند". كانت امرأة غليظة المعاملة، حادة النبرة، تصبّ جام قسوتها عليّ دون مبرر، حتى كادت دموعي تخنقني. وحين سألت زميلاتي باكية عن سر هذا العداء، أخذتني إحداهن جانباً وهمست: "إنها قاسية مع الجميع وخاصة الوجوه الجديدة، لا تبتئسي، فوحدهم الأشقياء والتعساء يتصرفون هكذا". ومنذ ذلك الحين، قررت تجرع مرارة كلماتها وتجاهلها قدر المستطاع.
مرت ثلاثة أشهر، وفي ذات يوم، بينما كنت ألتمس بعض المؤن في غرفة المستودع المظلمة، تعثرت بالسيدة "هند" وهي غارقة في بكاء مرير، تهتز أكتافها بضعف لم أعهده فيها. وحين تقدمت نحوها بقلب نقي، ومسحت على كتفها بلمسة مواساة، انتفضت كالملسوعة، وصفعت يدي بقوة صارخة بملامح يملؤها الذعر: "إياكِ أن تلمسيني! اخرجي وعودي لعملك!". خرجت متسائلة عن السر الدفين وراء هذا القناع الحديدي، وبعد أيام استدعتني على انفراد لتعتذر برقة غير معهودة، قائلة بلهجة غامضة: "احترسي من صاحب الفندق"، ثم غادرت دون رَدّ.
دارت الأيام، وحملت معها نبأ عودة صاحب الفندق، السيد "كمال"، من سفره الطويل. فجأة، انقلب المكان إلى ساحة من الذعر الصامت، ورأيت الهمّ يرتسم على وجوه الفتيات. وقبل أن أستوعب ما يحدث، اندفعت السيدة "هند" نحوي، فمسحت أحمر الشفاه عن وجهي بعنف، وبعثرت شعري المرتب، بينما ركضت زميلة أخرى ورشتني بسائل "الكلور" الحاد ذي الرائحة النفاذة والمقززة! تملكني الغيظ والذهول، وظننت أنهم يتآمرون لتشويه مظهري حتى أُطرد من عملي الذي هو حبل نجاتي الوحيد لجني لقمة العيش والإكراميات.
دخلت مكتب السيد "كمال" منكسرة، تفوح مني رائحة المنظفات الكريهة ومظهري يبعث على الشفقة. نظر إليّ الرجل بتقزز واضح، وفتح نوافذ مكتبه ليتنفس، واختصر اللقاء بكلمات باردة، ثم أمرني بالانصراف فوراً.
خرجت والدموع تحرق وجنتيّ، وتوجهت إلى رفيقاتي صارخة بعتب مرير: "لماذا فعلتن هذا بي؟ زوجي شبه كسيح وليس لنا مورد رزق غير هذا العمل، أردتن أن نموت جوعاً؟". وهنا، أمسكتني السيدة "هند" من ذراعي بقوة، وقادتني إلى غرفة المؤن الهادئة، ونظرت في عيني بنظرة تفيض بالألم والرحمة وقالت: "أيتها الغبية... لقد أنقذناكِ للتو من مخالب وحش ضار!".
تكشف المستور في تلك اللحظة؛ فالسيد "كمال" لم يكن سوى صياد مريض، يستغل فقر العاملات وحاجتهن للمال ليفترس أعراضهن على أريكة مكتبه كي يشعر بتفوقه وطغيانه. بكت السيدة "هند" وهي تعترف: "كنت أولى ضحاياه حين كنت يافعة، واحتجت للمال لعلاج أمي المريضة رحمها الله. وبقيت هنا بعد موتها، وأرتدي هذا القناع القاسي والديكتاتوري، فقط لأحمي الفتيات، لأدفعهن للرحيل أو لأحذرهن، وأنا من عطل الكاميرات في غرفة الاستراحة لمنعه من التجسس على خلواتنا واختيار ضحاياه".
في تلك اللحظة، سقط قناع الجلاد لتظهر ملامح القديسة وحامية الحمى. تحول كرهي لها إلى إجلال وعطف عميق، وصارت السيدة "هند" أعز صديقاتي. بقيت في الفندق عاماً كاملاً، حتى منّ الله على زوجي بالشفاء واستعاد حركته، فغادرت المكان والدموع تمتزج بدموع "هند" عند الفراق، دون أن أنبش سراً قد يزيد من شعور زوجي بالذنب والعجز.
وتدور عجلة العدالة الإلهية؛ فبعد عام، علمت أن زوجة السيد "كمال" ضاقت ذرعاً بخياناته التي سئمت التغاضي عنها، فرفعت دعوى طلاق نالت بها نصف الفندق لتجلس هي مكانه في مكتبه، بينما سافر هو بلا عودة، حيث لقي حتفه في حادث سير مروع، ليرحل غير مأسوف عليه، ولم تبكِهِ عين.
تنتهي حكايتنا هنا في "مملكة القصص"، لتظل السيدة "هند" ورفيقاتها رمزاً للتضامن الإنساني الذي يختبئ خلف قسوة الظروف، ولتؤكد لنا الأيام أن وراء كل قناع عابس أحياناً... قلباً يحترق ليضيء عتمة الآخرين ويحميهم من ذئاب البشر.