خلف الباب الأخير

خلف الباب الأخير
في ليلة شتوية باردة، كانت الرياح تعصف بأشجار القرية الصغيرة الواقعة على أطراف المدينة، بينما غطى الضباب الطرقات القديمة حتى بدت وكأنها جزء من عالم آخر. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من المنزل المهجور القابع فوق التل الأسود، ذلك المنزل الذي ارتبط اسمه بقصص الاختفاء والموت منذ أكثر من خمسين عامًا.
كان الناس يطلقون عليه اسم “البيت الأخير”، لأن كل من دخله لم يعد كما كان أبدًا.
في مساءٍ قاتم، قرر الشاب “آدم” أن يثبت للجميع أن القصص المتداولة مجرد خرافات. كان يعمل صانع محتوى على الإنترنت ويبحث دائمًا عن المغامرات المرعبة لجذب المشاهدات. حمل كاميرته ومصباحًا صغيرًا، وصعد الطريق الحجري المؤدي إلى المنزل وسط أصوات الرعد والمطر.
كل خطوة كان يخطوها كانت تزيد شعوره بالاختناق، وكأن الهواء نفسه يرفض وجوده هناك.
وصل أخيرًا إلى الباب الخشبي الضخم، وكان نصف مفتوح بطريقة غريبة. دفعه ببطء، فانبعث صوت صرير طويل اخترق الصمت كأنه صرخة إنسان يحتضر. دخل المنزل، وبدأ يصور الجدران المتشققة والأثاث المغطى بالغبار، بينما كانت الكاميرا تلتقط تفاصيل لم يكن يلاحظها بعينيه.
في الطابق العلوي، وجد ممرًا طويلًا تتدلى فيه صور قديمة لأشخاص مجهولين، لكن أكثر ما أرعبه أن عيونهم كانت تبدو وكأنها تتابعه أينما تحرك.
حاول تجاهل خوفه وأكمل التصوير حتى وصل إلى باب أسود في نهاية الممر. كان مختلفًا عن باقي الأبواب، خاليًا من المقبض، وعليه جملة محفورة بخط باهت:
“لا تفتح الباب الأخير.”
ابتسم آدم بسخرية أمام الكاميرا وقال:
“طبعًا سأفتحه.”
بمجرد أن لمس الباب، انطفأ المصباح فجأة، وعمّ الظلام المكان بالكامل. بدأ يسمع همسات خافتة تخرج من خلف الجدران، أصوات أطفال يبكون، وأنفاسًا بطيئة تقترب منه. حاول تشغيل المصباح مجددًا لكنه فشل.
وفجأة… أضاءت الكاميرا وحدها.
نظر إلى شاشتها فشاهد شيئًا جعله يتجمد في مكانه.
كان يقف خلفه رجل طويل بوجه مشوه وعينين سوداوتين بالكامل.
استدار آدم بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا.
عاد ينظر إلى الكاميرا… فوجد الرجل أقرب هذه المرة.
بدأ يركض مذعورًا عبر الممرات، بينما كانت أصوات الخطوات تلاحقه من كل الاتجاهات. وكلما وصل إلى باب للخروج، وجده يقوده إلى نفس الممر الأسود.
وكأن المنزل أصبح متاهة لا نهاية لها.
ثم سمع صوتًا هامسًا قرب أذنه:
“لقد فتحت الباب… الآن أنت واحد منا.”
شعر بيد باردة تمسك كتفه بقوة. سقطت الكاميرا من يده، واستمرت في التصوير بينما ظهر ظل طويل يقترب منه ببطء وسط صرخاته المرعبة.
وفي صباح اليوم التالي، عثرت الشرطة على الكاميرا أمام المنزل فقط.
أما آدم… فلم يُعثر له على أي أثر.
لكن الأمر الأكثر رعبًا، أن الفيديو الأخير الذي وُجد داخل الكاميرا لم يُظهر اختفاءه فقط، بل أظهر شيئًا آخر.
في اللحظة الأخيرة من التسجيل، ظهرت جميع الصور المعلقة في الممر وهي تبتسم ببطء… وكان بينهم وجه جديد.
وجه آدم.
ومنذ تلك الليلة، أصبح سكان القرية يسمعون صوت الباب يُفتح كل منتصف الليل، بينما يقف شخص مجهول خلف نوافذ المنزل يراقب الطريق بصمت، منتظرًا ضحية جديدة تجرؤ على الاقتراب من “الباب الأخير”.