الكيس الأسود 47
كيس أَسود
منذ أن أصبحت أوضاع المدرس سامح عثمان الاقتصادية سيئة، بدأ يبحث عن شقة رخيصة تناسب ميزانيته. وبينما كان يتصفح الإنترنت وجدها. وجد شقة معروضة للإيجار بثمن رخيص جدًا لدرجة أنه بدأ يشك في مصداقية الأمر. أخذ رقم المالك واتصل به، فأكد له أن كل شيء حقيقي وأن الشقة بالفعل بذلك المبلغ، ثم أعطاه تفاصيل الاستئجار. وبعد عدة إجراءات، حصل سامح أخيرًا على مفتاح الشقة المكتوب عليه الرقم (47)، واتجه نحو الطابق الرابع. هناك وجد الباب الذي يحمل الرقم نفسه وقد غطاه الغبار، لكن ذلك خرج من ذهنه عندما لاحظ الجهة الداخلية للباب. كانت هناك خدوش رفيعة طويلة تنتهي ببقعة داكنة بدت وكأنها بقعة دم جافة. بدأ شعور ثقيل بالانقباض يتسلل إلى صدره من تلك الأضواء الصفراء المرتعشة، وكأنها هي الأخرى خائفة من شيء لا تعلم ما هو، بينما امتزجت رائحة الغبار برائحة لحم متعفن ودخان سجائر قديم.
دخل سامح الغرفة فوجد أن كل شيء فيها ليس في موضعه. الملابس فوق الخزانة، وفرشاة الشعر داخلها، والأسوء أنها كانت ممتلئة بشعر متشابك تغطيه القشرة والتراب حتى بدا انتزاعه منها أمرًا شبه مستحيل. أما السرير فكان ملتصقًا بالأرض، ولا يظهر منه سوى درج سفلي يُسحب بصعوبة ويصدر صريرًا مزعجًا وكئيبًا، وفي داخله بعض القمامة القديمة.
اتجه إلى النافذة فوجدها غير قابلة للفتح. حاول مرة، ثم أخرى بقوة أكبر، لكنها لم تتحرك. بدأ الغضب يتسلل إليه فشدها بكل ما أوتي من قوة، وفجأة ارتدت بعنف دافعة إياه إلى الخلف، فاصطدم بالمرآة فسقطت على الأرض. عندها اكتشف شيئًا غريبًا؛ كان خلف المرآة كيس أسود مغلق بعناية.
فتح الكيس فانبعثت منه رائحة فظيعة اخترقت أنفه بعنف، قبل أن تقع عيناه على قطعة لحم متعفنة بدرجة مبالغ فيها.

أغلق الكيس فورًا وحمله متجهًا إلى المطبخ ليلقيه في سلة المهملات، لكنه اكتشف أنه لا توجد أي سلة هناك. وفي تلك اللحظة انطفأ مصباح المطبخ ومصباح الغرفة المقابلة دفعة واحدة. توقف مكانه وتحسس طريقه في الظلام بيديه حتى اصطدم بجسم مستطيل كبير، فأدرك أنها الثلاجة. ثم لمح ضوءًا خافتًا قادمًا من غرفة أخرى، فهرول نحوه وما يزال الكيس في يده، ليكتشف أنه يقوده إلى الحمام.
كانت مرآة الحمام مخدوشة بالطريقة نفسها التي رأى بها باب الشقة، كما كانت الخدوش ذاتها تمتد على حوض الاستحمام. حاول طمأنة نفسه وافترض أن المالك السابق ربما كان يربي قطة، متجاهلًا البقع الداكنة المنتشرة بجوار تلك الخدوش. لكنها بدت، عند التدقيق، أشبه بآثار دماء. نظر إلى المرآة فشعر بشيء غريب. بدت صورته وكأنها تتأخر عنه جزءًا من الثانية. حدق في انعكاسه أكثر فاكتشف أن العلامة الموجودة على وجهه لم تكن ظاهرة في المرآة. تراجع قليلًا ونظر إلى المرحاض فوجد أن جزءًا منه مكسور.
عاد إلى المطبخ بعد أن اشتعل المصباح الأصفر العتيق من جديد، وألقى الكيس بجوار حوض المطبخ بعدما يئس من العثور على سلة مهملات. ثم رجع إلى غرفة النوم، وهناك تجمد في مكانه. فالمرآة التي سقطت قبل قليل كانت قد عادت إلى موضعها الطبيعي وكأن شيئًا لم يحدث. أقنع نفسه بأنه هو من أعادها دون أن ينتبه ، محاولًا الهرب من مخاوفه... مخاوفه التي كان يظن أنه قادر على الهرب منها.
اقترب من التلفاز ووصل سلكه بالمقبس، فانطلقت شرارة زرقاء قصيرة من الحائط. اشتغل الجهاز أخيرًا، لكنه كان معتمًا إلى درجة أنه كاد يرى انعكاس وجهه على الشاشة. وهنا لمح العلامة الموجودة على وجهه. ظهرت بوضوح في انعكاس التلفاز. نهض متوترًا واتجه إلى مرآة غرفة النوم ليتأكد، لكنه لم يجدها هناك. ركض إلى مرآة الحمام فوجدها. وقف صامتًا للحظات. ألم تكن مختفية منذ دقائق؟ أم أن الإرهاق بدأ يعبث بعقله؟
أقنع نفسه بأنه يحتاج إلى النوم ليس أكثر. تمدد على السرير، لكنه اكتشف أن كل حركة يصدر عنها صرير طويل مزعج وكئيب. والأسوء من ذلك أن الصرير كان الصوت الوحيد في المكان. كان الصمت يملأ الشقة بصورة غير طبيعية؛ صمت كثيف وخانق يوحي وكأن الشقة معزولة تمامًا عن العالم.
وبينما كان يحاول الاسترخاء، وقعت عيناه على رف للكتب في زاوية الغرفة. اقترب منه فاكتشف أن جميع الكتب قصص رعب. هل كانت هذه الأجواء تنقصها قصص رعب أيضًا؟ مد يده وسحب أحد الكتب. كان يتحدث عن السحر والأعمال وأمور مشابهة. فتح الكتاب وبدأ القراءة، ومنذ الصفحات الأولى شعر بشيء غريب. كان يندمج مع القصة بشكل رهيب ، وكأن كيانه كله يغوص داخلها، وكأنه هو بطل الأحداث لا مجرد قارئ.
والأغرب أنها لم تكن كأي قصة رعب أخرى. لم يكن قادرًا على إغلاقها. شعر وكأن شيئًا ما بداخله يدفعه إلى الاستمرار. صفحة بعد صفحة، وسطرًا بعد سطر، حتى بدأ يفقد إحساسه بالغرفة من حوله. لم يعد يشعر بالسرير ولا بالجدران ولا بأي شيء... إلا الرائحة. رائحة الغرفة التي كانت تمتزج بالقصة حتى جعلته يشعر بأنه أصبح جزءًا منها.
استمر في تقليب الصفحات. لا يسمع سوى صوت التقليب. يشعر بالخوف، خوف حقيقي، لكنه لا يستطيع التوقف. ارتجفت أطرافه، وشعر برغبة حادة في التقيؤ. اتسعت عيناه. يقلب صفحة... ثم أخرى... بأصابع باردة. صوت تقليب. ثم صفحة أخرى. وفجأة توقف. لكن صوت التقليب استمر. لم يدرك الأمر في البداية، ثم انتفض بعنف. لقد توقف عن التقليب بالفعل، فلماذا ما زال الصوت مستمرًا؟ رفع رأسه بسرعة وأخذ ينظر حوله، وفي اللحظة التي فعل فيها ذلك اختفى الصوت، وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
شعر أن ما حدث يكفي، وأن من الجنون أن يكمل تلك القصة. أصبح مقتنعًا حقًا بأن كاتبها مريض نفسي. نظر إلى الغلاف فاكتشف أنه لا يحمل اسم مؤلفه. كيف لم يلاحظ ذلك من البداية؟ لم يكن على الغلاف أي رسومات أو زخارف أو تفاصيل، بل مجرد عنوان. عنوان بسيط للغاية، لكنه صادق حقا : "قصة رعب".
بدأ يفحص الكتاب بدقة أكبر، ثم وجد بخط باهت اسمًا غير مكتمل: (محمد سامح ع). كان حرف العين ظاهرًا، لكن ما بعده باهت وممسوح وغير مقروء. أعاد الكتاب إلى الرف بقرف، ثم استعد للنوم. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. آلاف الأسئلة أخذت تدور في رأسه. ما تلك الخدوش المنتشرة في الشقة؟ وإذا كانت من فعل قطط، فماذا عن الدماء؟ وماذا عن قطعة اللحم المخبأة بعناية خلف المرآة داخل كيس أسود مربوط بإحكام؟ هل من المنطقي أن يخفي شخص لحمًا متعفنًا خلف مرآة؟ وإذا كان كل ذلك مجرد مصادفات، فكيف يُفَسر نزع المرآة واخفاء ذلك الكيس وراءها؟ وماذا عن هذا الصمت الخانق؟ هل توجد بالفعل جدران عازلة للصوت في هذا المبنى العتيق؟ وماذا عن علامة وجهه التي اختفت من مرآة وظهرت في أخرى؟ هل كان ذلك منطقيًا أصلًا؟ ثم ماذا عن القصة؟ اسم الكاتب يبدأ بحرف العين، فماذا لو كان اسمه "محمد سامح عثمان"؟ لكنه سرعان ما طرد الفكرة من رأسه عندما تذكر أن اسمه هو سامح فقط، بينما الاسم المكتوب يبدأ بمحمد.
ظل غارقًا في أفكاره وتساؤلاته حتى غلبه النوم.
فرأى نفسه يسير في ممر طويل مظلم، يظهر في نهايته ضوء باهت بحجم نقطة صغيرة، مما يدل على أن الممر يمتد لمسافة هائلة. بدأ يسمع أصواتًا غريبة حوله، فالتفت يمينًا ويسارًا، ليجد أبوابًا مفتوحة على جانبي الممر جميعها يحمل الرقم (47). نظر داخلها فرأى مشاهد مروعة؛ في إحداها شخص يقتل آخر، وفي الثانية شخص يعذب ضحيته، وفي الثالثة شخص يلتهم إنسانًا آخر.

لكن الصدمة الحقيقية أنه في كل غرفة من تلك الغرف كان هو الجاني.
هو القاتل.
هو المعذب.
هو الآكل.
هو كل شيء.
ثم اكتشف أن كل باب من تلك الأبواب يحمل الرقم (47).
شعر برعب أشد، فانطلق يركض نحو الضوء في نهاية الممر، لكنه كلما اقترب منه ابتعد الضوء أكثر. ركض أسرع، فابتعد الضوء أكثر. ثم رأى نسخًا منه تخرج من الغرف وتندمج في جسده واحدة تلو الأخرى، بينما كان يواصل الركض رافضًا فهم ما سيحدث عندما يصل للضوء. وخرجت الضحايا من الغرف زاحفة على بطونها بأجساد مشوهة تحمل آثار الجرائم المرتكبة فيها، وأخذت تحاول الإمساك بقدميه وهي تصرخ عاليًا.
ازداد خوفه وذعره، فواصل الركض بكل ما يملك من قوة.
وفجأة سقط أمام الضوء باب أسود ضخم من الحجر، فحجبه تمامًا.
توقف سامح.
كان الباب يفصل بينه وبين الضوء.
وعندما رفع عينيه إلى الباب رأى اسمًا محفورا في الحجر وتسيل منه الدماء السوداء بفعل الإضاءة الخافتة:
"محمد سامح عثمان"
وفوق الاسم كان الرقم (47) محفورًا في الحجر، بينما تتدفق منه الدماء بغزارة لتضربه في وجهه.
صرخ بكل ما عنده ولكن صرخته جاءت مكتومة .
ثم انتفض.
واستيقظ من الكابوس.
يستيقظ فيجد أنها مازالت الثانية صباحا .. تبا ! .. لن يستطيع النوم مجددا من ذلك الكابوس ولن يستطيع أن يكمل يومه بثلاث ساعات نوم فقط ! يشعر كأن الغرفة بها تغيير ولا يعلم كيف .. جوها العام يوحي بأن هناك تغيير حدث بها ولا يعلم ما هو .. فقط يشعر أنها أصبحت ضيقة وترتيب الكتب تغير وباب الغرفة مفتوح والمفترض أنه كان مغلق ولا يوجد شيء منطقي يفتحه خاصة وأن النافذة مغلقة فلا يخرج منها هواء يحركه .. يتحرك بأطراف متجمدة كالثلج ليفتح الإضاءة الصفراء المرتعشة في الغرفة ليجد أنه بلل سرواله ولكنه من الخوف لم يقدر على الذهاب إلى الحمام وبعد أن فتح الإضاءة ذهب ليجلس على السرير فيصدر ذلك الأزيز الذي يخترق الصمت الرهيب.
يجلس فوق السرير فيفكر في ذلك الحلم ويسترجع اسم (محمد سامح عثمان) .. كيف وما معنى ذلك ؟ يفتح الكتيب مجددا فيكتشف أن (محمد سامح ع) هو نفسه شخصية القصة أما الكاتب فغير موجود .. يغلق الكتاب ويذهب إلى الحمام فيشعر وكأن صورته تتأخر في تقليده وأن العلامة في وجهه غير موجودة .. ثم عندما يدقق أكثر يجدها موجودة.
يقرر أنه سوف يخلع جميع المرايا من تلك الشقة .. يخلع مرآة غرفة النوم تماما ويلقيها على الأرض .. يخلع مرآة الحمام ثم يجد .. يجد كيسا أسودا آخر ! يفتحه بأصابع باردة بأنفاس متلاحقة فيجد علبة سوداء .. يحاول فتحها ولكنها مغلقة بإحكام .. يحضر سكينا من المطبخ ويدخله بين الغطاء وبين العلبة ويضغط بقوة حتى استطاع انتزاعها فيجدها ممتلئة بالدماء وفي المنتصف شيء لم يستطع تمييزه .. هنا تأكد أن كل شيء يحدث هنا ليس صدفة لأن هذا الدم واضح للغاية أنه حديث.
يحضر نفس السكين ويحاول إخراج الشيء الذي بداخلها لأنه ملتصق في قاع العلبة فيجده دمية .. يحدق بها أكثر فيجد أنها دمية مصغرة منه ! يجلس على الكرسي وهو يتأمل تلك التفاصيل الدقيقة لتلك الدمية المحشوة المصغرة منه فيجدها نسخة منه تماما .. نفس العلامة والنظرة والشعر و .. ماذا ؟ والشعر .. هذا الشعر يبدو طبيعيا للغاية .. ينظر به فيجد قشورا .. هل هذا شعر حقيقي ؟ يذهب ليحضر مقصا ليقطع خصلة من شعره ويقارنها بتلك، ثم يصلح مرآة الغرفة ثانية ويجد أن العلامة في وجهه لا توجد فلا يهتم ويمسك بالمقص ويستعد ليقطع خصلة و .. ويقع المقص من يديه عندما يرى تلك البقعة البيضاء في مؤخرة رأسه والتي لا يوجد بها شعر.
بسرعة يقطع خصلة إضافية من شعره ويقارنها بتلك التي في الدمية فيجد نفس الملمس .. نفس اللمعة .. يشعر بالذعر .. يتصل بالشرطة. تحقق الشرطة في الدماء في البرطمان ثم تبدأ في التحقق منه .. يخبره الشرطي أنه سيحقق في ذلك وأن بإمكانه الذهاب.
يذهب سامح إلى المنزل .. يفتح بابا يحمل رقم 47 ويدلف للداخل .. بإرهاق يخلع ملابسه ويلقيها على الكرسي ثم يتجه إلى فراشه فيرمي نفسه عليه وهو يرتدي ملابسه الداخلية.
يستيقظ من النوم فيجد نفسه أمام باب الحمام وملابسه ملطخة بالدماء .. يشعر بالذعر قليلا ثم يهدأ ويحاول أن يقنع نفسه أنه ربما تجول وهو نائم أو نام هنا ولم يتمالك نفسه ليذهب إلى الفراش ويتجاهل تلك البقع الحمراء الغامقة في ملابسه فلربما سقط عليه بعضًا من الدماء من تلك العلبة التي سلمها للسلطات.
تذكر متأخرا أن لديه بعض الدروس ليعطيها لتلاميذه، فيرتدي ملابسه متسرعا ويفتح خزنة الملابس، فيسقط فوق رأسه كيس أسود .. يفتح الكيس الأسود بتوتر، ثم يتجمد مكانه قبل أن يفقد وعيه مباشرة.
يستيقظ فيجد الكيس ما زال في يديه، فيلقيه على الأرض بذعر، فتتساقط منه أظافر صفراء متلطخة بالدماء الحديثة على الأرضية .. يرتجف ويعيدها بسرعة إلى داخل الكيس وهو على وشك أن يتقيأ، ثم يربطه بإحكام ويلقيه مجددا مجددا الدولاب، ويرتدي ملابسه بتوتر لأنه تأخر للغاية على الدروس.
ينتهي من ارتداء ملابسه ويتوجه نحو باب الشقة .. يفتحه فيشعر برائحة متعفنة كريهة للغاية تنبعث من شقة جاره المسن .. يتوقف لحظة، ثم يقرر ألا يطرق الباب الآن ويؤجل الأمر عند العودة. يهبط السلالم مسرعا متجها إلى الدروس.
بعد انتهاء اليوم، يعود سامح. كانت هناك بضع أمتار فقط تفصله عن مدخل العمارة حين ظهرت سيارة سوداء تتجه نحوه بسرعة جنونية، أبوابها مفتوحة على مصراعيها وأضواؤها مشتعلة بالكامل .. يحاول الابتعاد جانبا لكنه لا يجد وقتا. قبل الاصطدام مباشرة ينظر إلى السائق، فيتجمد في مكانه من الرعب .. رجل أصلع، عيناه سوداوان تماما، فمه مفتوح على آخره، وإحدى قدميه مرفوعة بشكل غير طبيعي حتى تكاد تلمس سقف السيارة من الداخل.
في اللحظة التالية يشعر وكأنه يُقذف من مدفع، يرتفع في الهواء ويتقدم للأمام في الوقت نفسه، ثم يرتطم بالأرض بقوة ويستمر في التدحرج حتى نهاية الشارع.
يفتح عينيه ليجد طبيبا يقف أمامه مرتديا بالطو أبيض، يبتسم ابتسامة عريضة مريبة، عيناه جاحظتان قليلا للأمام. يحضر الطبيب حقنة دون أن يزيل ابتسامته.

_ ما المضحك؟
_ ...
_ ؟؟؟
_ اصمت من فضلك.
_ ما هذه؟
_ قلت اصمت !!
ثم تعود الابتسامة مجددا بشكل أكثر اتساعا، ويغرس الحقنة فيه بهدوء.
يفتح عينيه ليجد نفسه جالسا على أرضية باردة .. كيف عرف أنها باردة؟ لأنه لا يرتدي ملابسه! يحاول التحرك فلا يستطيع، يحاول الصراخ فلا يخرج صوته. ينظر حوله فيجد نفسه داخل دائرة مرسومة بالدماء على الأرض بعناية، وعلى محيطها أربع نقاط موزعة بمسافات منتظمة.
يظل عاجزا عن الحركة رغم أن جسده غير مكبل. ثم فجأة يُفتح الباب بعنف ويرتد في الحائط قبل أن يرتطم في الشخص القادم بقوة ثم يستقر على الحائط مجددًا، ويدخل شخص عار جسده مخطط بخطوط حمراء من الواضح أنها آثار سياط غليظة .. نفس مظهر سائق السيارة. عيناه سوداوان، رأسه أصلع، وفمه مفتوح وهو يردد كلمات غير مفهومة:
"لالا بيتي كاتالا بوستو كو بيرا."
تتكرر الجملة بصوت أعلى فأعلى، ثم يقف أمامه فجأة بانضباط، وبعد لحظات يدخل ثلاثة آخرون بنفس الشكل تماما، يرددون الجملة معه كمجموعة واحدة بانتظام.
"لالا بيتي كاتالا بوستو كو بيرا."
"لالا بيتي كاتالا بوستو كو بيرا."
تتزايد أعدادهم داخل الغرفة، وكل واحد منهم يمسك سكينا ضخما. وجوههم تبدأ في التحول تدريجيا إلى وجوه تلاميذه في الفصل.
يتم تثبيته على الأرض بقوة ولا يستطيع المقاومة ليس لأنه لا يريد بل لأنه لا يستطيع. أحدهم يقترب ويدخل في أصابعه قبعتين معدنيتين صغيرتين تنتهيان برؤوس حادة، ثم يدفع أصابعه إلى فمه بقوة، طعم معدني مقزز يملأه وهو عاجز عن التحرك. في تلك اللحظة يخرج صوته أخيرا في صرخة واحدة، لكنها لا تكتمل سوى لثوان معدودة قبل أن تُقطع تماما، وكأنه قد فقد النطق بسبب تلك القطعتين المعدنيتين.
ثم ينزع ذلك الشخص القبعتين الصغيرتين من يديه بهدوء، بينما الجميع ما زال يردد نفس الجملة بصوت منخفض متواصل.
"لالا بيتي كاتالا بوستو كو بيرا."
يحضر أحدهم خلاط طعام يدوي، يفك شفراته ويركب مكانها نفس القبعتين المعدنيتين الحادتين، ثم يوصله بالكهرباء. تُدخل الشفرات في أنفه ويبدأ الجهاز بالدوران.
يتوقف أي معنى للصوت أو الصراخ، فقط ارتجاف جسد يتألم لا يملك السيطرة على شيء. وفي تلك اللحظة يفهم أن الهدف لم يكن العذاب فقط، بل منعه من الصراخ أيضًا. وتستمر فقرة العذاب التي لا يمكن ذكرها بأشد ألوانه من قطع وحرق وفقع وشد وضغط.
يدخل شخص أخير. نسخة منه، لكن بجسد رياضي مشدود وملامح أكثر حدة. يقترب بهدوء، يمسك يديه واحدة واحدة، ويبدأ في نزع الأظافر ببطء شديد وكأنه يتأكد أنه يشعره بكل لحظة من الألم. يجمعها كلها في علبة صغيرة، ثم يضع العلبة داخل كيس أسود.
يتجمد ويتذكر سامح الكيس الأسود الذي سقط عليه من خزنة الملابس. تتسع عيناه رعبا، ثم يخرج منه صراخ أخير طويل، صراخ لا يعرف كيف استطاع أن يصرخ حتى وقد فقد نطقه.
صرخ ثم فتح عينيه ليكتشف أن ذلك كان كابوسًا، ويجد أن سرواله مبلل ثانية. يذهب إلى خزنة الملابس ليفتحها ويطمئن نفسه، ولكن يقع عليه الكيس الأسود مجددًا.
وهذه المرة هو يشعر بجودة الحياة حوله عالية، ووعي كامل بأنه في الواقع وليس كابوسًا داخل كابوس. فتح الكيس بأصابع مرتجفة، فوجد الأظافر الصفراء المتلطخة بالدماء ثانية.
أغلق الكيس وقرر أنه سوف يخرج ويأخذه معه هو وباقي الأكياس ويتجه للشرطة. ذهب أولًا إلى المطبخ ليبحث عن كيس اللحم المعفن فلم يجده، أخذ يبحث بذعر فلم يجده أيضًا، ثم توجه إلى الحمام ليأخذ دميته فلم يجدها أيضًا.
نظر في المرآة، فتعثر ثم وقع على ظهره مذعورًا عندما وجد وجهه في المرآة مبتسمًا تلك الابتسامة المريبة التي كان يبتسمها الطبيب، وعيناه جاحظتان وبارزتان وممتلئتان بالسواد بالكامل، ووجهه متلطخ بالدماء.
قرر أنه سوف يأخذ ذلك الكيس ويفر به هاربًا من ذلك البيت، ويريه للشرطة. وتوجه نحو باب الشقة ليفتحه فوجده مغلقًا يحاول الاتصال بأي شخص ولكن لا شبكة. لا يستطيع، حاول بكل قوة وما زال لا يستطيع.
يسمع ذلك الصوت من مكان ما، صوت يشبه صوته ولكنه غير واضح ويقول شيئًا لم يفهمه. يرتفع الصوت أكثر وأكثر، فيستطيع تمييز شيئين لم يعرف أيهما يخيفه أكثر: أولهما أنه صوته، وثانيهما أنه ينطق بتلك الجملة:
"لالا بيتي كاتالا بوستو كو بيرا."
ويرددها ويرتفع الصوت. لا يصدر الصوت من مكان محدد، بل يشعر أنه يصدر من كل مكان حتى السقف. يرتفع أكثر وأكثر، فيشعر بالخوف الشديد حتى يصدم الباب بكل ما لديه من قوة حتى يستطيع كسره.
خرج منه، ولكنه نسي الكيس الأسود بالداخل. يدخل بسرعة ليحضره، فيفاجأ أن الباب أغلق وراءه بعنف، وبدأ الصوت يتردد أعلى وأعلى، وأصبح متعددًا، فيسمع أن أكثر من شخص يردده. يرتفع الصوت أكثر، فيشعر بعدد من يرددونه وكأنه فوق عشرة أشخاص.
يحاول كسر الباب هذه المرة فلا يستطيع. يحضر سكينًا ويحاول كسره، فيحدث به خدوش تشبه بالضبط الخدوش الموجودة عليه من الداخل، وتنفجر منها الدماء بشكل غير منطقي ومرعب، فيشعر بالخوف أكثر.
ما زال يحاول، والصوت يرتفع حتى خرج أخيرًا ومعه الكيس. شم تلك الرائحة العفنة القبيحة من بيت جاره، فوقف برهة يفكر: أيرحل أم يطرق بابه؟
عندما اختفى الصوت مباشرة بعد خروجه من شقته، بدأ يطمئن قليلًا وكأن المشكلة في تلك الشقة (شقته التي خرج منها)، فذهب يطرق باب شقة جاره. يطرقه بقوة فلا يستجيب الجار، وهو يسمع صوت تلفاز ذلك المسن من الخارج، فيعرف أن هناك شيئًا ليس طبيعيًا بالداخل. طرق بقوة أكبر، لا يستجيب. أخذ السكين من جيبه واخترق الباب وفتحه، وتجمد مكانه من الصدمة.
الجار المسن على الأرض في دائرة من الدماء متكونة من أربعة نقاط، كل نقطة يوجد عليها طرف من أطراف المسن (يديه وقدميه)، وفي المنتصف يوجد رأسه، وعيناه جاحظتان وبارزتان وممتلئتان بالسواد، وفمه مفتوح على آخره، ويوجد به أصابعه، وصدره ورقبته مرميتان بقسوة على الأريكة.
شعر سامح أنه سوف يغمى عليه، ولكن لاحظ أن أصابع الجد التي في فمه منتزعة الأظافر. هل أظافره هي التي في الكيس الأسود التي وقعت من الدولاب؟ هذا منطقي بالتأكيد. ولكن لماذا يقتل أحد رجلًا مسنًا بهذه الطريقة البشعة وذلك السحر، ثم يضع أظافر إصبع المسن في بيت جاره؟
إلا إذا كان القاتل يريد أن يؤذي جار المسن (سامح) بطريقة غير مباشرة عن طريق تلفيق تهمة القتل له (لسامح). كل ذلك دار في ذهن سامح قبل أن يتقيأ ويفرغ ما في بطنه على الجد الميت وأطرافه، مما يجعل مظهره أسوأ وأبشع.
وكان يشعر أنه سوف يغمى عليه، وبدأ يتراجع للوراء، لترتطم قدمه فجأة في محفظة واقعة على الأرض.
ينتهز الفرصة فيأخذ المحفظة ويستعد ليفتحها، ولكن فجأة يرتفع الصوت مجددًا:
"لالا بيتي كاتالا بوستو كو بيرا..."
يأخذ المحفظة في جيبه، ويلقى بالكيس الأسود في وجه المسن البشع فيختلط الكيس بالقيء، ثم يهرب بكل ما لديه من سرعة حتى وجد باب العمارة مغلقًا. يحاول فتحه ولا يستطيع، المشكلة أن ذلك الباب معدني، ومهما حاول فلن تجدي محاولته أي تقدم.
فكر بسرعة حتى خطرت في باله تلك الفكرة وذهب ليفعلها. بكل ما لديه من قوة صعد السلالم، والصوت ما زال مرتفعًا في المبنى كله. يدخل لشقته رقم (47) بسرعة، الباب يغلق وراءه بعنف فلا يهتم، ويدلف لغرفة نومه ويفتح شباك الغرفة ويقفز منه.
يفتح عينيه فيجد نفسه في المستشفى. الطبيب أمامه بذلك الزي الأبيض، ويلف وجهه إليه، وهنا صرخ.
إنه نفس الطبيب صاحب الابتسامة العريضة المريبة، وقد تقدم نحوه وفي يده نفس الحقنة ويجهزها. قام سامح من فراشه بثقل ليجد أنه عارٍ. يلتفت له الطبيب ليمنعه، ولكن سامح قد بلغ من الصبر حده، فقام بلكمه بقوة فسقط الطبيب على الأرض وخيط الدماء ينزل من منخاره.
وتوجه سامح إلى ملابسه (ملابس الطبيب)، وأخذ يرتديها واحدة بعد الأخرى، وأخذ الطبيب العاري ورماه في الفراش بكل ذعر وغضب وغطاه، ثم خرج من الغرفة كأنه طبيب عادي.
ليتفاجأ بأن هذه ليست مستشفى. يمشي في الطرقة فيجد هؤلاء الرجال العراة وهم يجرٌون أعضاء ناس ورؤسهم وأشلاءهم وأجزاء منهم من كل غرفة. وليست أي أشلاء وقطع أناس، إنها قطع منه وتسيل منها الدماء بغزارة حتى تبدو الطرقة كنهر من الدماء.
يشعر بالخوف أكثر ولكن يحاول التمالك حتى لا ينكشف أنه طبيب مزيف، فيندفع نحو المخرج ويفتح باب المستشفى ويخرج منها ليجد نفسه يسقط. لا يعلم أي ارتفاع ذلك، ولكنه ما زال يهوي وهو يدرك أنه انتهى. يهوي وهو لا يرى الأرض تحته بوضوح من بعد المسافة.
يصرخ، ولكن صرخته مكتومة. يشعر أن الهواء غزير لدرجة أنه لا يستطيع التنفس من قوة ارتطام الهواء بوجهه ومنخاريه.
في طريقه للأرض يسمع الصوت يتردد ثانية، يقترب قليلا حتى بدأ يميز الأرضية تحته. إنه ساقط على أرض تبدو كحديقة يوجد فيها مئات بل آلاف بل ملايين الأشخاص الأموات الذين يظهر أنهم غير ميتين ميتات عادية. فمنهم من نصفه هيكل عظمي، ومنهم من هو يد فقط، ومنهم من هو رأس وباقي جسده اندمج بجسد آخر من قوة صدمة الارتطام بفعل السقوط من ذلك الارتفاع.
كان يشعر أن تلك نهايته بكل ما لديه من حواس. يقترب من الأرض ويرى تلك الجثة التي سيصطدم بها، إنها جثته. جثته التي يظهر أنها مدهوس نصفها، والنصف الآخر جزء منه عظمه ظاهر، والباقي محروق ومشوه.
صرخ بكل ما لديه من صوت متبقٍ منه عندما أوشك على الارتطام بجثته المشوهة، ولكن فجأة يفتح عينيه وهو يرتجف ليجد نفسه في المستشفى، وأمامه الطبيب. لا، في هذه المرة طبيب عادي وبجانبه ممرضة بدأت تشرح الموقف عندما أفاق
_ التقطتك كاميرات مراقبة المباني المجاورة وأنت في محاولة للانتحار من شقتك، ووجدنا شخصًا يشبهك جاء بك إلى هنا وهو يعرض لنا وقعتك.
_ من هذا؟
_ أعتقد أنه ابنك.
_ ولكني لست متزوجًا.
_ لقد جئت إلى هنا وأنت معك محفظة، فتحناها فوجدنا بها بطاقة ابنك، اسمه (محمد)، وجاء فورًا ليأخذها ولا ندري لماذا فعل ذلك، ولكنه كان على عجلة من أمره للغاية.
_ ما هذا الهراء... ما هذا الـ...
انقطع كلامه وأمسك برأسه وبدأ يستعيد بعض ذكرياته... ذكرياته المفقودة. فهم الطبيب أنه بدأ يستعيد بعض الذكريات بسبب الوقعة، فبدأ يفسر له:
_ عليك أن تأخذ بعضًا من الراحة ولا ترهق نفسك في محاولة تفسير كل شيء، سوف تبدأ تشعر بالصداع الشديد في تلك الفترة وتستعيد بعض المشاهد بعد أن فقدت الذاكرة، وهذا طبيعي، ومن الممكن أن يستمر ما بين خمسة أيام وحتى أسبوعين.
_ أنا لم أفقد الذاكرة أصلًا؟!
_ بل فقدتها منذ سنتين... أنت متزوج وعندك ابن.
_ من زوجتي؟ أين هي؟ من أبنائي وأين هم؟!
_ لديك زوجة متوفية وابن واحد و...
_ أين هو إذًا؟
_ لا نعرف، ولكنه جاء منذ قليل وأخذ المحفظة التي كانت معك والتي كان بها بطاقته القومية.
_ أريد أن أرحل الا...
_ لا، ما زال أمامك جلستان: واحدة مع الطبيب النفسي والأخرى مع الشرطة.
يذهب سامح إلى غرفة، ويدلف بالداخل ويغلق الباب وراءه، ليجد نفسه أمام رجل على مكتب مرتب.
ينتهي من جلسة الطبيب النفسي، ثم يجلس أمام الشرطة.
_ إذا اعترفت بكل شيء بصدق ووضوح سنخفف عقوبتك.
_ أعترف بماذا؟ وما الذي تتحدثون عنه؟
_ لقد بحثنا جيدًا، وأنت من وراء كل هذا!
_ ما الذي...
يأتي محامٍ ويخرجه، ثم ينتظره أمام قسم الشرطة، فيطالبه ويهدده بمبلغ من المال. يوافق سامح على ذلك ويمضي على أوراق المحامي.
سامح يستعيد ذكرياته
يرجع إلى شقته العتيقة، وما زالت الرائحة الكريهة تنبعث من بيت الجار حتى بعد إزالته منها هو وأشلائه. يدخل شقته فيجدها على ما كانت عليه، وبدأ حقًا يشعر باللامبالاة تجاه تلك الأشياء.
يدلف للداخل، وأمسك قصته المسماة بـ(قصة رعب)، ويبدأ في قراءتها. البطل فيها المسمى بـ(محمد سامح ع)، أي (محمد سامح عثمان)، وهو يقتل والده.
يستمر في القراءة، فيجد أن (محمد) يكره والده بشدة وينتقم منه بأبشع الطرق، وبدأ سامح يندهش حقًا أثناء قراءته للقصة من مدى كره (محمد) لأبيه، لدرجة أنه بدأ يتعلم السحر من أجل الانتقام منه.
بدأ يستعيد بعض ذكرياته... يتذكر صورًا لشابة ميتة وملقاة على الطريق، وسيارة ملطخة بالدماء، ويتذكر شابًا يضربه.
وبعد أن يقرأ سامح أجزاء أكثر من كتاب "قصة رعب"، يبدأ يلاحظ أن الأحداث المكتوبة فيه تحدث حرفيًا معه... لكن الغريب أن البطل في آخر الفصول لم يعد "ضحية"، بل أصبح "الأب".
ويبدأ يتذكر ذكريات متقطعة:
مطر شديد…
فرامل سيارة تصرخ…
فتاة ملقاة على الأسفلت والدم حول رأسها…
وشاب يصرخ بانهيار ثم يصفعه (يصفع سامح).
ثم فجأة يتذكر الاسم: “ليلى”. حبيبة ابنه محمد.
هنا تبدأ كل القطع في الارتباط فوق بعضها. محمد كان يحبها بجنون، وسامح كان يرفض العلاقة تمامًا ويحتقرها. وفي ليلة الحادث، سامح دهسها فعلًا بسيارته. الطريق كان مظلمًا، والفتاة خرجت فجأة أمام السيارة، لكن محمد لم يقتنع أبدًا أن الحادث كان خطأ، وكان مقتنعًا تمامًا أن والده قتلها عمدًا. ومن هنا بدأ كل شيء.
يتذكر سامح فجأة جلسات غريبة كان يجلسها مع ابنه بعد الحادث: أكواب مشروبات بطعم مر، صداع دائم، فترات زمنية مفقودة، وأصوات يهمس بها ابنه أثناء نومه في أذنيه. ثم يتذكر تلك الجملة التي كان يسمعها دائمًا: “افتح فمك…”
كانت محمد أثناء الطقوس التي تعلمها واستخدمها ليسكن أوامر داخل عقل والده. لم يكن يتحكم به كامل الوقت، بل عندما يريد أن يتحكم فيه يصبح أبوه دمية بين يديه. جعل أمه تلقي بنفسها من الشرفة. كان يجعله (يجعل سامح) يخرج ليلًا، يقتل، يقطع، يجمع الأظافر والألسنة، ثم يعيده ليكمل حياته، فيعيش سامح وهو ناسي لكل ذلك لأنه يفعله بغير إدراك تام.
هو إذًا من قتل المسن وفعل به ذلك.
وكل جريمة كانت تُبنى بعناية لتقود الشرطة نحوه. وليس هذا فقط ما كان يريده محمد، بل كان يريد أن يعيشه في رعب تام، في أوهام، في كوابيس، وفي جرائم قتل. انتقام بطيء، مدروس، ومليء بالكراهية، يدفعه للجنون من الرعب قبل الموت… الموت مذعورًا.
سامح يذهب لمواجهة ابنه
بعد اجتهاد طويل توصل لمكانه. وجد منزلًا خشبيًا صغيرًا بسيطًا في وسط غابة تحيط به الأشجار. وجد الباب مفتوحًا فتحة صغيرة، فدفعه ودخل عندما لم يجد أحدًا يجيب بعدما طرق الباب العتيق مرارًا وتكرارًا.
دلف إلى الداخل فوجد نفسه في الظلام الدامس، وبدأ يتحسس بيديه ليشعر أن المكان مليء بالأثاث. بدأ ينادي على ابنه ولكن لا يرد. خرج الأب من المنزل ليحضر مصباحًا يدويًا وسكينًا احتياطيًا في جيبه، ودخل ثانية ليبدد الظلام بالمصباح في يساره وفي يمينه السكين بيد باردة.
بدأ يتحرك بين الأثاث ويقلب ويبحث، حتى وجد ذلك الباب المخفي، باب مخبأ ولكنه واضح قليلًا. دفعه فوجد نفسه في ممر، أخذ يمشي فيه حتى وصل لنهايته فإذا بباب آخر يدفعه إلى سلم ينزل لأسفل. المسافة بين السلم والسقف تخنقه لدرجة أنه يجب عليه الانحناء أثناء النزول لكي لا يصطدم رأسه بالسقف، حتى دخل أخيرًا.
دخل مكانًا ضخما مضيئًا إضاءة خافتة، مكانًا بالكامل مصنوعًا من الخشب، رائحة العفن والموت والدماء تخترق أنفه. يتجول في المكان فيجد نفسه يمر فوق جثث وقطع بشرية وكتب قديمة صفراء وصحون وأوراق ونيران مشتعلة في كل مكان وجثث أبقار، والمكان ضخم للغاية لدرجة أنه يحتاج لثماني ساعات على الأقل ليستكشفه بالكامل.
وفي النهاية يجد ضوءًا في النهاية، ضوءًا أصفر بفعل النيران، وهناك شخص يجلس وظهره موجه له.

يتلفت ذلك الشخص، فيمعن سامح النظر فيه ويشعر أنه يشبه ابنه. يقترب أكثر فيجده ابنه، لكنه لم يستطع تمييزه بسرعة بسبب تغير شكله؛ لقد أصبح نحيفًا، وجهه شاحب، فقد عينًا من عينيه، والأخرى تحتها هالات سوداء غزيرة، حواجبه انقطعت، شفته العلوية سقطت، وعينه الوحيدة تنظر نظرة لامعة مخيفة وواثقة، وأصبح أصلعًا… كأن السحر نفسه دمّره هو أيضًا.
ينادي سامح عليه، فيسمع صوت ابنه وكأنه ينبعث من أعماق صدره:
_ قلت لك إن الثمن سيكون غاليًا، وما زال عندي المزيد.
يرد عليه سامح صارخًا في وجهه بكل انفعال الدنيا وقد فقد عقله من كل تلك الأحداث:
_ وأنا قلت لك إن ذلك كان قتلًا خطأ، والآن حان وقت التربية من جديد على كل ما فعلت من الجرائم وكل ما ارتكبته! سوف أنتقم أنا منك على كل الضحايا التي تسببت في قتلها على يداي! سوف تكون أنت واحدًا من تلك الضحايا!
وأخرج سامح سكينه الملوث بدماء الأبرياء اللامعة تحت ضوء النيران المشتعلة، فوجد ابنه يخرج سيفًا من جدار جانبي وهو يهتف:
_ قرارك حكيم لأنك أردت أن تنه نفسك على يداي مبكرًا قبل أن أنهها أنا على يداي متأخرًا!
مبارزة بين شاب ومسن نتيجتها متوقعة، خاصة شاب يحمل سيفًا ومسن يحمل سكينًا، حتى وإن كان الشاب متهالكًا فما زال شابًا وما زال ذلك شيخًا.
وانتهى الأمر بسرعة عندما وجد سامح السكين ساقطًا من يمينه، والسيف اخترق عنقه ليخرج من الناحية الثانية، ثم يجد أنه يقذف إلى النيران المشتعلة بكل بغض وكراهية.
الصمت.
ثم يبدأ محمد بالارتجاف. يبدأ في البكاء. يبدأ في اللطم بالرغم من أنه حقق هدفه، ولكن… وبئس الهدف، وبئس النهاية. لقد فقد عقله تمامًا، وبدأ يبكي وهو يدخل أصابعه في فمه. لدرجة أنه أخذ السكين وبدأ يطعن نفسه، ولكن الطعنات لم تكن كافية لقتله، بل كانت كافية لعذابه.
بدأ يهذي ويتخيل أن كل الجثث التي حوله والأبقار استيقظت من ثباتها وبدأت تصرخ فيه وأنها هي من تطعنه. يموت ببطء بفعل النزيف، فيشعر أنه يريد أن يخلص نفسه، وفي نفس الوقت ليس لديه القوة الكافية ليمسك بالسكين، فيلقي بنفسه في النيران فيزداد الوضع سوءًا.
الآن فقط تذكر… الآن فقط ندم. ندم على عمره وشبابه وقوته وفيما أفناهم. بدأ يتذكر كل ما فعله… كل الجرائم، كل التعذيب، كل الأبرياء، كل الأعمال، فيشعر بعذاب نفسي إلى جانب العذاب الجسدي، ثم يبدأ في الموت بالحرق، وهو أصعب طرق الموت والعذاب،
وأكثرها طريقة يستحق أن يموت بها.