الصوت الذي خرج من التسجيل: الجزء الأول

الصوت الذي خرج من التسجيل: الجزء الأول

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الصوت الذي خرج من التسجيل                                                                                                                                                               

البداية: الجهاز القديم

لم تكن مريم من الأشخاص الذين ينجرفون بسهولة وراء القصص الغامضة أو الحكايات التي يتناقلها الناس عن الأشياء المسكونة والظواهر الخارقة، بل كانت تؤمن دائمًا بأن لكل شيء تفسيرًا منطقيًا مهما بدا غريبًا أو مستحيلًا للوهلة الأولى، وربما كان عملها في أرشفة التسجيلات الصوتية القديمة داخل محطة إذاعية عريقة هو السبب في ذلك، لأنها قضت سنوات طويلة تستمع إلى آلاف الأصوات المختلفة، وتتعامل يوميًا مع تسجيلات تحتوي على تشويش وأخطاء تقنية وأصوات مجهولة المصدر، حتى أصبحت مقتنعة بأن العقل البشري قادر على تحويل أبسط الأمور إلى ألغاز مرعبة عندما يعجز عن فهمها.

في أحد أيام الشتاء الباردة، وبينما كانت تتجول بين الأكشاك المتناثرة داخل سوق للأشياء المستعملة، لفت انتباهها جهاز تسجيل قديم يبدو وكأنه نجا من عقود طويلة من الإهمال، فقد كان مصنوعًا من معدن ثقيل وبلاستيك أسود باهت اللون، ورغم طبقات الغبار التي غطته فإن شكله كان يوحي بأنه كان في يوم من الأيام شيئًا ثمينًا بالنسبة لصاحبه.

عندما سألت البائع عنه، حدق فيها الرجل العجوز لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بنبرة بدت غريبة أكثر من اللازم:

"الجهاز شغال كويس... لكن لو كنت مكانك ما كنتش أخدته."

ضحكت مريم معتقدة أنه يحاول إثارة فضولها من أجل البيع.

لكن الرجل لم يضحك.

بل ظل ينظر إليها بنظرة جعلتها تشعر بعدم الارتياح للحظة قصيرة.

ورغم ذلك دفعت ثمن الجهاز وحملته معها إلى المنزل دون أن تدرك أن تلك اللحظة البسيطة ستكون بداية سلسلة طويلة من الأحداث التي ستدفعها تدريجيًا إلى حافة الجنون.

image about الصوت الذي خرج من التسجيل: الجزء الأول

أول تسجيل

عندما حل المساء، جلست مريم وحدها داخل شقتها الصغيرة التي كانت تطل على شارع هادئ نسبيًا، وأخرجت الجهاز من الحقيبة، ثم قامت بتنظيفه بعناية قبل أن تضع بداخله بطاريات جديدة وتضغط زر التشغيل وهي تتوقع ألا يعمل أصلًا بسبب قدمه.

في البداية لم يصدر أي صوت.

ثم ظهر تشويش خافت يشبه همسات بعيدة قادمة من مكان غير معروف.

وبعد لحظات قليلة سمعت شيئًا جعل الدم يتجمد داخل عروقها.

لقد كان صوتها هي.

ليس صوتًا يشبهها.

بل صوتها الحقيقي بكل تفاصيله.

قال التسجيل:

"الساعة دلوقتي 11:47 مساءً وأنا قاعدة على الكنبة وببص ناحية الشباك."

رفعت مريم رأسها بسرعة ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار.

كانت تشير إلى 11:47 بالضبط.

أما هي فكانت تجلس فعلًا على الكنبة وتنظر نحو النافذة.

بدأ قلبها يخفق بعنف.

لكن التسجيل لم ينتهِ.

بل تابع بصوت هادئ:

"بعد خمس ثواني هيوصلك إشعار على الموبايل."

شعرت برغبة في الضحك من غرابة الموقف.

لكن قبل أن تكتمل ضحكتها اهتز الهاتف بجوارها معلنًا وصول رسالة جديدة من رقم مجهول.

في تلك اللحظة شعرت وكأن الهواء داخل الغرفة أصبح أثقل من أن تتنفسه.

فضول أقوى من الخوف

رغم الرعب الذي سيطر عليها في تلك الليلة، فإن الفضول كان أقوى من الخوف، ولذلك لم تستطع مقاومة الرغبة في إعادة تشغيل الجهاز في الليلة التالية، وكانت تتوقع أن تكتشف خدعة ما أو تفسيرًا منطقيًا يريح عقلها من كل تلك الأسئلة.

لكن ما حدث كان أكثر غرابة.

فقد احتوى التسجيل الجديد على أحداث لم تقع بعد، ثم وقعت لاحقًا بنفس التفاصيل تقريبًا.

في البداية كانت أمورًا عادية لا تستحق القلق.

كوب ينكسر.

صديقة تتصل بها بعد أشهر من الانقطاع.

انقطاع مفاجئ للكهرباء.

ازدحام غير متوقع في الطريق.

لكن مع مرور الأيام أصبحت التوقعات أكثر دقة وأكثر تفصيلًا، حتى بدا وكأن شخصًا يعيش يومها بالكامل قبلها ثم يرسله إليها على هيئة تسجيل صوتي.

وبدأت فكرة مرعبة تتسلل إلى عقلها ببطء.

ماذا لو لم يكن هذا الشخص غريبًا عنها؟

ماذا لو كان بالفعل... هي نفسها؟

التحذير الأول

في الليلة السابعة ظهر تسجيل مختلف تمامًا عن كل ما سبق.

كان صوتها المرتفع والمضطرب يملأ الغرفة بطريقة جعلت قلبها ينقبض قبل أن تسمع الكلمات نفسها.

بدت وكأنها تركض أثناء التسجيل أو تختبئ من شيء يطاردها.

وكان صوت أنفاسها متقطعًا بشكل مؤلم.

قالت النسخة المسجلة:

"لو سمعتي التسجيل ده... لازم توقفي."

ساد صمت قصير.

ثم تابعت:

"أنا عارفة إنك مش هتسمعي كلامي... لأنك أنا."

شعرت مريم بقشعريرة عنيفة تسري في جسدها.

لكن الكلمات التالية كانت أكثر رعبًا.

"فيه حاجة بتسمعنا."

عندما انتهى التسجيل ظلت جالسة مكانها عدة دقائق دون حركة، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما سمعه للتو.

الرجل الذي سبقها

لم تستطع تجاهل الأمر أكثر من ذلك، ولذلك بدأت رحلة البحث عن المالك السابق للجهاز، وبعد أيام من السؤال والتنقل بين الأشخاص وصلت إلى معلومات عن رجل يُدعى فؤاد، كان يمتلك الجهاز قبل سنوات طويلة.

لكن فؤاد كان قد مات بالفعل.

وعندما تحدثت مع أحد جيرانه السابقين، أخبرها الرجل أن فؤاد أمضى الأشهر الأخيرة من حياته وهو يعيش في حالة رعب دائم، وكان يملأ منزله بالملاحظات المكتوبة بخط مرتجف على الجدران والأبواب والمرايا.

وكانت الجملة التي تتكرر في كل مكان تقريبًا هي:

"لا تستمع إلى التسجيل الأخير."

وعندما سألته مريم عن السبب، أخبرها الرجل أن فؤاد كان يكرر باستمرار أن نسخة أخرى منه تعيش في المستقبل وتحاول التواصل معه عبر جهاز التسجيل.

عندها فقط بدأت تشعر بأن ما يحدث لها الآن ربما ليس البداية، بل مجرد فصل جديد في قصة بدأت قبل سنوات طويلة.

بداية الانهيار

مع مرور الوقت أصبحت حياة مريم تدور بالكامل حول التسجيلات الليلية، فقد كانت تقضي ساعات طويلة في انتظار حلول الليل، ثم تستمع إلى الرسالة الجديدة وكأن مصيرها كله أصبح مرتبطًا بما ستسمعه.

بدأت تفقد قدرتها على التمييز بين القرارات التي تتخذها بإرادتها والقرارات التي تنفذها فقط لأن التسجيل أخبرها أنها ستحدث.

وكان هذا السؤال يطاردها باستمرار:

هل أنا أعيش حياتي فعلًا؟

أم أنني مجرد شخص يتحرك داخل قصة كُتبت مسبقًا؟

ومع كل يوم جديد كانت تشعر بأن الواقع نفسه أصبح أقل ثباتًا مما كان عليه في السابق.

الأصوات خلف الجدار

بعد عدة أسابيع بدأت أشياء أخرى تحدث داخل الشقة.

في البداية كانت تسمع همسات بعيدة تأتي من أماكن يصعب تحديدها.

ثم أصبحت الهمسات أوضح.

وأقرب.

وأكثر تكرارًا.

وفي بعض الليالي كانت تستيقظ من النوم على أصوات خافتة تبدو وكأنها قادمة من داخل الجدران نفسها.

كانت كلمات غير مفهومة في أغلب الأحيان.

لكن اسمها كان يتكرر باستمرار.

"مريم..."

"مريم..."

"مريم..."

وكان أسوأ ما في الأمر أنها لم تعد تعرف إن كانت تسمع تلك الأصوات فعلًا أم أن عقلها بدأ ينهار تدريجيًا تحت ضغط الخوف.

الحقيقة المرعبة

في الليلة الأربعين ظهر أطول تسجيل استمعت إليه منذ بداية الأمر.

وكانت النسخة الأخرى من مريم تبكي أثناء الحديث بطريقة جعلت الألم في صوتها يبدو حقيقيًا بصورة لا تحتمل.

قالت:

"أنا آسفة."

ثم ساد صمت طويل.

وكأنها تحاول جمع ما تبقى لديها من شجاعة.

بعدها قالت:

"الجهاز مش بيتنبأ بالمستقبل."

توقفت أنفاس مريم.

ثم أكملت النسخة الأخرى:

"الجهاز بينقل رسائل بين نسخ مختلفة مننا."

شعرت مريم بأن الأرض تميد تحت قدميها.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن قد جاءت بعد.

"إحنا مش شخصين."

"إحنا آلاف."

“وكل قرار بيتخذ في أي عالم بيخلق نسخة جديدة.”

الشيء الذي يسمع

واصلت النسخة المستقبلية حديثها بصوت بدا وكأنه قادم من شخص عاش سنوات طويلة من الرعب المتواصل.

وقالت إن النسخ المختلفة من مريم بدأت تتواصل مع بعضها في البداية لتبادل المعلومات ومحاولة تجنب الأخطاء والمآسي.

لكن شيئًا آخر اكتشف وجودهم.

شيئًا لم يكن ينتمي إلى أي عالم من عوالمهم.

شيئًا كان يسمع الرسائل.

ويتعلم منها.

ويقترب أكثر في كل مرة.

ثم ظهر لأول مرة داخل التسجيل صوت لم يكن صوت إنسان.

كان صوتًا عميقًا وثقيلًا ومشوهًا بصورة جعلت كل خلية في جسد مريم تصرخ بالخطر.

وقال بصوت هادئ بصورة مرعبة:

“وجدتك.”

النهاية التي ا

image about الصوت الذي خرج من التسجيل: الجزء الأول

قتربت

بعد ذلك التسجيل بدأت ترى أشخاصًا يشبهونها في أماكن مختلفة بصورة تكاد تكون يومية، فقد كانت تلمح وجوهًا مطابقة لوجهها بين المارة، أو تشاهد انعكاسًا يشبهها في زجاج المحلات قبل أن يختفي فورًا.

وكانت التسجيلات التالية تحمل رسائل من نسخ أخرى لمريم، وكل واحدة منها كانت تروي النهاية نفسها تقريبًا بطرق مختلفة.

إحداهن اختفت دون أثر.

أخرى فقدت عقلها.

ثالثة أحرقت الجهاز.

لكن النهاية كانت دائمًا واحدة.

شيء يصل إليهم في النهاية.

شيء يجدهم مهما هربوا.

آخر رسالة

في منتصف إحدى الليالي استيقظت مريم فجأة على صوت الجهاز يعمل وحده رغم أنها لم تلمسه منذ ساعات.

وكان التسجيل الأخير ينتظرها.

قالت النسخة الأخرى بصوت منهك:

"أنتِ مش أول مريم تسمع الرسالة دي."

ثم أضافت بعد لحظة طويلة:

"أنتِ النسخة رقم 217."

شعرت وكأن قلبها توقف عن النبض.

وتابعت النسخة الأخرى:

"كل اللي قبلك حاولوا يهربوا."

"كلهم فشلوا."

"وأنا آسفة لأنني السبب."

ثم ساد صمت طويل.

قبل أن تنطق بجملة أخيرة.

“هو وصل.”

ما وراء الباب

في اللحظة نفسها تمامًا دوى صوت طرق هادئ على باب الشقة، وكان خافتًا لدرجة أنه بدا عاديًا لأي شخص آخر، لكنه بالنسبة لمريم كان أشبه بصوت حكم بالإعدام.

تقدمت نحو الباب ببطء شديد وهي تشعر بأن ساقيها بالكاد تحملانها.

وعندما نظرت من فتحة الباب لم ترَ أحدًا.

كان الممر فارغًا تمامًا.

لكن قبل أن تبتعد سمعت صوتًا خلفها.

صوتًا تعرفه جيدًا.

صوتها هي.

استدارت ببطء.

ورأت امرأة تقف في منتصف الغرفة.

تشبهها تمامًا.

لكن ملامحها كانت تحمل سنوات طويلة من الرعب واليأس.

نظرت إليها المرأة وقالت بصوت مرتجف:

"أنا آخر نسخة."

ثم رفعت عينيها نحو زاوية مظلمة داخل الغرفة واتسعت حدقتاها من الخوف.

وهمست:

“فات الأوان.”

الخاتمة

في صباح اليوم التالي حضر رجال الشرطة إلى الشقة بعد تلقي بلاغ من الجيران الذين لم يشاهدوا مريم منذ أيام.

وعندما فتحوا الباب لم يجدوا أي أثر لها.

لم تكن هناك جثة.

ولا آثار مقاومة.

ولا أي دليل على ما حدث.

كان كل شيء في مكانه.

إلا جهاز التسجيل القديم الذي كان موضوعًا فوق الطاولة في منتصف الغرفة.

وعندما ضغط أحد الضباط زر التشغيل، خرج من السماعة صوت امرأة تبكي بصمت.

ثم قالت:

"إذا كنت تسمع هذا التسجيل... لا تبحث عني."

وبعد ثوانٍ قليلة ظهر صوت آخر.

صوت عميق.

هادئ.

وغير بشري على الإطلاق.

وقال:

"وجدتك."

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
yasmen تقييم 4.96 من 5.
المقالات

10

متابعهم

20

متابعهم

123

مقالات مشابة
-