روايته:غرام الفارس
الغيره البرئيه
كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشره صباحا، والشمس الذهبية في آخر أيام الصيف تتسلل بخجل من بين ستائر الحضانة الزرقاء، ترسم مربعات ضوء دافئة على الأرضية البلاستيكية الملونة. رائحة الطباشير الملون، وألوان الماء، وساندوتشات الجبنة التي تركها الأطفال، كانت تمتزج في هواء المكان لتصنع رائحة مميزة لا يعرفها ولا يشعر بجمالها إلا المُس "عشق".
وقفت عشق في منتصف القاعة، ظهرها مقوس قليلاً من الإرهاق، لكن عينيها الفاتنه لم تفقدا بريقهما. فستانها الكتان البسيط كان عليه بقع ألوان، وحجابها متسخ بالالوان وفى حاله فوضوية. كانت تبدو مرهقة، لكن حنانها كان أقوى من أي تعب.
فجأة، اقتحم المكان صوت بكاء عالى وندا يشبه الاستغاثة كانت "يسر" ذات الثلاث سنوات، بشعرها الأسود وعينيها السوداء البراقه الجميلة تجعلك تعق في عشقها من أول نظزه كم هى جميلة تلك الصغيره . كانت تبكي وتنحب، والدموع تنزل على وجنتيها الورديتين دون توقف
انخلع قلب عشق. تركت كل شيء من يدها وركضت نحوها. جثت على ركبتيها فوق السجادة، حتى صارت وجهاً لوجه مع الطفلة. رائحة شامبو الأطفال ملأت أنفها.
“يا روح مُس عشق، مالك يا يسر؟ ليه القمر بيعيط كده؟” صوتها كان هامساً، دافئاً، كأنها تكلم فراشة ستطير.
مدت يدها ومسحت على وجنة يسر برفق شديد، كأنها تخشى أن تكسرها. ثم فتحت ذراعيها: “تعالي في حضني.”
ارتمت يسر في حضنها فوراً، كأنها وجدت ملاذها الأخير. ضمتها عشق بقوة، وشمّت رائحة شعرها. كانت ضمة أم لابنتها، لا مُس لتلميذتها. رتبت على ظهرها برفق: “ش، خلاص يا قلبي. احكيلي.”
بعد دقائق، رفعت يسر وجهها المبلل:
“وأنا... وأنا رايحة أشرب مية من الكولدير يا مُس... سمعت محمود... اللى هو في سنة كجى تو محمود الكبير يا مس ... سمعته بيقول لعمر: المُس بتاعت تمهيدى حلوة خالص
شهقت يسر بقوة: “وإحنا... إحنا مش بنحب حد يقول عليكي حلوة غيرنا إحنا بس. انتي بتاعتنا إحنا.”
ضيقت عشق عينيها بصدمة مضحكة: “وبعدين؟”
“روحت زعقت له: متقولش على مُس عشق حلوة. راح هو زعقلي وقال انتي مالك؟ فأنا... فأنا عيطت وجتلك.”
قبل أن ترد عشق، دوى صوت ارتطام وصراخ من ركن المكعبات.
“يا نهار أبيض نهضت عشق بسرعة وقلبها يدق بعنف .
المشهد كان فوضى. "محمد" بملامحه الصغيره الغاضبة يمسك بياقة قميص "محمود" الأبيض، ومحمود يشد في قميص محمد بنفس القوة. وجهيهما أحمر من الغضب والعرق.
“فكوا بعض حالاً!” صرخت عشق وهي تفصل بينهما بجسدها. “بس بس، استوب! إيه الهمجية دي؟ انتو في حضانة ولا في حارة؟”
كانت أنفاسها متقطعة من الغضب. نظرت لمحمد: “انت يا حضرة، قولي في إيه؟”
ولدهشتها، قص محمد بنفس الانفعال واكثر نفس كلمات:
“يُسر بيقولوا على المُس بتاعتنا حلوة يا مُس! واحنا مش عايزين حد يقول كده.”
ثم أشار على يسر بغضب طفولي: “وهي بتعيط بسببه”
وضعت عشق يدها على جبهتها. يا ربي على البراءة اللي بتقلب بخناق. نظرت لمحمد: “وانت يا أستاذ محمد، إيه اللي مزعلك أوي كده؟ هتكسروا بعض عشان كلمة؟”
وقف محمد فجأة، وفرد ظهره الصغير كأنه جنرال في الجيش. صوته كان جاداً جداً، لا يليق بطفل في الثالثة:
“عشان بابي قالي يا مُس... قاللي: يا محمد، الراجل الصح عمره ما يسمح لحد يعاكس حد يخصه . ولما واحد يقول لواحدة قدام الناس انها حلوة يبقى بيعاكسها، وده عيب وحرام. والراجل لازم يغير على عرضه.”
صمت لحظة، ثم وضع يده على صدره بفخر: “وأنا بحبك يا مُس عشق... بحبك قد الدنيا... وبغير عليكي جنون. انتي بتاعتنا احنا بس بتاعت تمهيدى. محدش له دعوة بيكي.”
ساد صمت تام في القاعة. حتى العصافير سكتت عن الزقزقه كانها تفجات بما قيل
كل ما يحدث الآن هو ضرب من ضروب الجنون والبراءة المطلقة. عشق لم تستطع. انهارت.
انفجرت في الضحك. ضحك من القلب، ، ضحك هز كيانها كله وجعل دموعها تنزل بلا إرادة. جلست على الأرض من شدة الضحك وهي تضرب كف على كف: “يا خرابي يا خرابي... يا قلبي انا...”
العيال اتلخبطوا. هي بتضحك ولا بتعيط؟
مسحت دموعها ورجعت لهم بجدية مصطنعة. نزلت لمستواهم مرة أخرى:
“تعالوا هنا يا مجانينى انتو. بصوا يا محمد يا حبيبى.. محمود ميقصدش حاجة وحشة والله العظيم. هو شافني فقال كلمة حلوة، زي ما انت بتقولي لمامتك انتي حلوة. ده حب، مش معاكسة. فاهمني؟”
هز محمد رأسه وهو مش فاهم اوي بس مصدقها.
“واللي بيحب حد بيشوفه أحلى حد في الدنيا كلها. فبدل ما تتخانقوا، تعالوا نعمل حاجة أحلى. يلا يا بطل سلم على محمود وبوسه من خده.”
تردد محمد، ثم مد إيده الصغيرة. اتصالحوا.
تم الصلح وانقضى الأمر، وعادت ضحكات الأطفال تملأ المكان. لكن قلب عشق كان مازال يضحك من الموقف العبثي.
انتهى يومها الساعة الواحده خرجت من الحضانة وجسدها يصرخ: “كفاية.” الشمس كانت نازلة، والجو حر خانق. وهي في الطريق كانت بتكلم نفسها: “يا زهرة شبابي اللي بقت حزمته جرجير أصفر يا أختي...
فتحت باب الشقة بمفتاحها، وكانت بتفكر هتاكل ايه. لكنها تجمدت مكانها.
الصالون منور. وريحة البرفيوم الرجالي مالية المكان.
"أحمد خالد" قاعد على الكنبة. لابس بدلة كحلي، وشعره متسرح، ورجليه مفرودة بثقة. بيشرب شاي مع أمها وعمها "فؤاد".
المخ وقف. عقلها عمل Error.
“متى جاء؟ مين اللي دخله؟ ليه محدش كلمني؟ هو بيعمل ايه هنا؟ هو ده... هو ده العريس؟”
ثم افتكرت شكلها. وملابسها الفوضويه، وتحت عينها هالات من التعب.
“يا لهوي يا خرابي... هيقول عليا ايه؟ جاي يخطب واحدة شبه شغالة الحضانة؟ رايح يخطب واحدة هبلة ومبهدلة.”
أما هو، فأول ما شافها عينه لمعت. ابتسم ابتسامة صغيرة دافئة. شاف ارتباكها وبقعة الألوان. وماعجبهاش؟ بالعكس. انشرح قلبه. دي حقيقية. مش مزيفة ولا متصنعة.
تقدمت الأم بخطوات سريعة اشبه بالركض: “انتي واقفة كده ليه يا بنتي؟ ادخلى؟ ادخلى يا بنتى سلمي على الضيف يلا.”
دخلت عشق وهي بتجر رجليها. وقف عمها فؤاد بجسمه الضخم: “أهلاً أهلاً أهلاً بعروستنا القمر
. دي عشق يا أحمد يا ابني، قمر البيت.”
وجوهرته العيله
رفعت وشها بالعافية: “السـ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.” صوتها كان بيترعش.
“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بنتي.”
في اللحظة دي، أحمد حس بقلبه. قلبه هو اللي رد قبل لسانه. دقات قلبه كانت عالية لدرجة حس انها هتتسمع. حط ايده على صدره لا إرادياً.
عم فؤاد لاحظ. حمحم بصوت عالي: “حممم. اتفضل يا أحمد يا ابني، سيبنا من الكسوف ده. عرفنا بنفسك.”
فاق أحمد. كان سرحان فيها. الفاتنة دي خطفت عقله.
“أنا... أنا أحمد خالد. شغال في السجل المدني،، سني 32 سنة، ساكن لوحدي في شقة تمليك...”
وبعد ما خلص: “وأنا يشرفني جداً يا عم فؤاد... إني أطلب إيد الآنسة عشق.”
عم فؤاد اتعدل في القعدة وحط رجل على رجل بزهو ملوك: “عشق دي يا أحمد مش أي بنت. دي سِت البنات دي. متربية وأدب وأخلاق وعلم. فمحدش يستهين بيها أبداً.”
ولما أحمد بدأ يتكلم في الشبكة والمهر، الأم قاطعت: “طيب يلا يا عشق قومي اعملي حاجة ساقعة لضيف.”
ثم سحبت ابتها وخرجت
وبصت لبنتها بتحذير: “وانتي، لازم تاجى كلك الوان ومبهدله كده كل يوم ناقص تاجى مبلوله ميه او تاجى كلك طين
عشق مسكت ايد امها فجأة: “آه يا ماما، ايدي وجعتني اوي.”
الأم بصتلها بضجر: “هو انا ضربتك؟
أومال عملتي ايه؟
دي ايد تتمسك كده شكلك نسيتى أن ده ايد بسكوتة.”
“لا بسكوتة ايه يا ماما، انتي غريبة.”
عشق رفعت راسها: “اومال انتي فاكرة نفسك مخلفة غفير؟ ده انا عشق.”
“طيب امسكي الصينية وقدميها للعريس يلا.”
“لازم انا؟”
الأم ضيقت عينيها: “بت، العريس عاجبك صح؟”
“لا طبعا!”
“بت مش عليا. انا حفظاكي. يلا خدي الصينية.”
مشيت ورا امها وهي مرعوبة. شايفاه شاب كويس، بس قلبها مقبوض منه ومش عارفة ليه.
قدمت العصير وهي راسها في الأرض.
الأم: “ادينا مهلة نسأل عنك يا ابني، والبنت لازم تصلي استخارة.”
“طبعا يا عمى.”
ثم استاذن وانصرف
وبعده العم
الام: “لا تمشي فين؟ اتغدا. عاملة مكرونة بشاميل ورقاق.”
“تسلم ايدك، بس لازم امشي. بالإذن.”
الهوا كان مالح. صوت الموج بيخبط في الصخور. الغروب كان منظزه يخطف الأنفاس
"امير" واقف وسط صحابه، التيشيرت الأبيض بتاعه طاير مع الهوا. كان بيضحك من قلبه.
“يا جماعة انا مش مصدق اني هنا! على آخر اليوم بابا اداني الفلوس ب
. كنت فاكر الرحلة راحت.”
"أسامة" حضنه: “انا فرحان عشانك يا صاحبي. انت تستاهل تفرح.”
لكن من بعيد، كان واقف. نادر
اهله ميسرين الحال. فاشل. بيسقط كل سنة. بيكره امير عشان غلبان بس أشطر وأجمل وأصحابه أكتر منه.
“ليه انت عندك كل ده يا جربوع؟” مسك الكرة: “وديني ما هخليك تتهنى.”
رمى الكرة بكل غله في ضهر امير.
في نفس الثانية، امير وطى يجيب محفظة واقعة. الكرة عدت من فوقه.
امير فتح المحفظة:
أسامه دى بتاعت محمود يلا ندهالوا
“محمود، محفظتك.”
“شكرا يا امير كنت بفكر هعمل اى من غير فلوس.”
نادر اتغاظ اكتر: “ماشي يا امير…
تقدم بتجاههم طيب
مش تشوف فيها فلوس ولا لا يا محمود؟”
محمود: “امير يتأمن. لو كان عايز كان خدها كلها.”
امير: “تسلم يا صاحبي.”
نادر مشي بنظرة كره.
امير: “ربنا يهديك. هروح اقعد على البحر شوية. المنظر تحفة بالليل. يلا يا أسامة.”
باب الشركة الإزاز كان بيلمع. "غرام" دخلت وهي قلبها هيقع.
“لو سمحتي، مكتب فارس بيه؟”
“اسمك؟”
“غرام.”
السكرتيرة: “الدور الأخير، يمين.”
طلعت تجري. وقفت قدام السكرتيرة التانية: “انا غرام وعايزة فارس بيه.”
“استني.”
“يا ستاراى اللبس ده بيرتاحوا فيه اذاى وبيتحركوا اذاى
؟”
اتفضلى في انتظارك
دخلت. وجدت "فارس" واقف: “غرام اتفضلي. مجتيش امبارح ليه؟”
لا تستطيع أخباره فالسبب محرج فالتفت كذبه
“رجلي شدت عليا.”
وفي ثانيه
مسك رجلها: “مالك؟”
احمرت خجلا وانتفض جسدها
“سيبني حضرتك بتحرجني!”
وقف يستعدى ثباته
طيب هى مالها
ردت ببلاهه هى اى
ضحك: “رجلك يا غرام.”
وجع مش أكتر.
“طيب جاهزة للشغل؟”
“ايوه. هشتغل اى؟”
مترجمه. في مجال دراستك مرتبك هيكون...
قال الرقم. شهقت: “كتير اوي!”
ضحك بخفه كل ما تتلزمى بالجديه والكفاءة المرتب بيزيد وفي حوافز هتبداى من امتى؟ “ابدأي من دلوقتي.”
اتفضلى السكرتيرة هتعرف المكان
في المكتب الذى ستعمل به
اتعرفت على: حنان، بسمة، سحر، ابراهيم
احب اعرفكم بنفسى انا غرام.
سحر: “انتي حلوة
ردت غرام جبيتى انتى اللى عيونك حلوه
تدخلت حنان
بتاعكسى بنت زيك
مش الراجل اللي كان بيعاكس؟”
غرام: “لا دي موضة قديمة.”
ضحك الجميع على مزحتها.
داخل مكتب فارس
عم زكريا دخل: “ربنا يفرحك زي ما فرحت امير.”
ابتسم فارس لذلك الراجل الطيب البشوش
فارس: “ده زي اخويا.”
عم زكريا:تسلم وتعيش يا ابنى امير فرحان جدا بالرحلة
ربنا يفرحه ديما
عم زكريا: “بعتلي صوره امبارح...”
وقبل ان يرها الصور رن هاتفه
برقم صديق امير
أسامة.
“الو؟
......
مال صوتك مال صوتك يا ابنى؟
.......
ايه؟”
ثم سقط العم مغمى عليه.
*بقلم: عشق أحمد*الغيره البرئيه
كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشره صباحا، والشمس الذهبية في آخر أيام الصيف تتسلل بخجل من بين ستائر الحضانة الزرقاء، ترسم مربعات ضوء دافئة على الأرضية البلاستيكية الملونة. رائحة الطباشير الملون، وألوان الماء، وساندوتشات الجبنة التي تركها الأطفال، كانت تمتزج في هواء المكان لتصنع رائحة مميزة لا يعرفها ولا يشعر بجمالها إلا المُس "عشق".
وقفت عشق في منتصف القاعة، ظهرها مقوس قليلاً من الإرهاق، لكن عينيها الفاتنه لم تفقدا بريقهما. فستانها الكتان البسيط كان عليه بقع ألوان، وحجابها متسخ بالالوان وفى حاله فوضوية. كانت تبدو مرهقة، لكن حنانها كان أقوى من أي تعب.
فجأة، اقتحم المكان صوت بكاء عالى وندا يشبه الاستغاثة كانت "يسر" ذات الثلاث سنوات، بشعرها الأسود وعينيها السوداء البراقه الجميلة تجعلك تعق في عشقها من أول نظزه كم هى جميلة تلك الصغيره . كانت تبكي وتنحب، والدموع تنزل على وجنتيها الورديتين دون توقف
انخلع قلب عشق. تركت كل شيء من يدها وركضت نحوها. جثت على ركبتيها فوق السجادة، حتى صارت وجهاً لوجه مع الطفلة. رائحة شامبو الأطفال ملأت أنفها.
“يا روح مُس عشق، مالك يا يسر؟ ليه القمر بيعيط كده؟” صوتها كان هامساً، دافئاً، كأنها تكلم فراشة ستطير.
مدت يدها ومسحت على وجنة يسر برفق شديد، كأنها تخشى أن تكسرها. ثم فتحت ذراعيها: “تعالي في حضني.”
ارتمت يسر في حضنها فوراً، كأنها وجدت ملاذها الأخير. ضمتها عشق بقوة، وشمّت رائحة شعرها. كانت ضمة أم لابنتها، لا مُس لتلميذتها. رتبت على ظهرها برفق: “ش، خلاص يا قلبي. احكيلي.”
بعد دقائق، رفعت يسر وجهها المبلل:
“وأنا... وأنا رايحة أشرب مية من الكولدير يا مُس... سمعت محمود... اللى هو في سنة كجى تو محمود الكبير يا مس ... سمعته بيقول لعمر: المُس بتاعت تمهيدى حلوة خالص
شهقت يسر بقوة: “وإحنا... إحنا مش بنحب حد يقول عليكي حلوة غيرنا إحنا بس. انتي بتاعتنا إحنا.”
ضيقت عشق عينيها بصدمة مضحكة: “وبعدين؟”
“روحت زعقت له: متقولش على مُس عشق حلوة. راح هو زعقلي وقال انتي مالك؟ فأنا... فأنا عيطت وجتلك.”
قبل أن ترد عشق، دوى صوت ارتطام وصراخ من ركن المكعبات.
“يا نهار أبيض نهضت عشق بسرعة وقلبها يدق بعنف .
المشهد كان فوضى. "محمد" بملامحه الصغيره الغاضبة يمسك بياقة قميص "محمود" الأبيض، ومحمود يشد في قميص محمد بنفس القوة. وجهيهما أحمر من الغضب والعرق.
“فكوا بعض حالاً!” صرخت عشق وهي تفصل بينهما بجسدها. “بس بس، استوب! إيه الهمجية دي؟ انتو في حضانة ولا في حارة؟”
كانت أنفاسها متقطعة من الغضب. نظرت لمحمد: “انت يا حضرة، قولي في إيه؟”
ولدهشتها، قص محمد بنفس الانفعال واكثر نفس كلمات:
“يُسر بيقولوا على المُس بتاعتنا حلوة يا مُس! واحنا مش عايزين حد يقول كده.”
ثم أشار على يسر بغضب طفولي: “وهي بتعيط بسببه”
وضعت عشق يدها على جبهتها. يا ربي على البراءة اللي بتقلب بخناق. نظرت لمحمد: “وانت يا أستاذ محمد، إيه اللي مزعلك أوي كده؟ هتكسروا بعض عشان كلمة؟”
وقف محمد فجأة، وفرد ظهره الصغير كأنه جنرال في الجيش. صوته كان جاداً جداً، لا يليق بطفل في الثالثة:
“عشان بابي قالي يا مُس... قاللي: يا محمد، الراجل الصح عمره ما يسمح لحد يعاكس حد يخصه . ولما واحد يقول لواحدة قدام الناس انها حلوة يبقى بيعاكسها، وده عيب وحرام. والراجل لازم يغير على عرضه.”
صمت لحظة، ثم وضع يده على صدره بفخر: “وأنا بحبك يا مُس عشق... بحبك قد الدنيا... وبغير عليكي جنون. انتي بتاعتنا احنا بس بتاعت تمهيدى. محدش له دعوة بيكي.”
ساد صمت تام في القاعة. حتى العصافير سكتت عن الزقزقه كانها تفجات بما قيل
كل ما يحدث الآن هو ضرب من ضروب الجنون والبراءة المطلقة. عشق لم تستطع. انهارت.
انفجرت في الضحك. ضحك من القلب، ، ضحك هز كيانها كله وجعل دموعها تنزل بلا إرادة. جلست على الأرض من شدة الضحك وهي تضرب كف على كف: “يا خرابي يا خرابي... يا قلبي انا...”
العيال اتلخبطوا. هي بتضحك ولا بتعيط؟
مسحت دموعها ورجعت لهم بجدية مصطنعة. نزلت لمستواهم مرة أخرى:
“تعالوا هنا يا مجانينى انتو. بصوا يا محمد يا حبيبى.. محمود ميقصدش حاجة وحشة والله العظيم. هو شافني فقال كلمة حلوة، زي ما انت بتقولي لمامتك انتي حلوة. ده حب، مش معاكسة. فاهمني؟”
هز محمد رأسه وهو مش فاهم اوي بس مصدقها.
“واللي بيحب حد بيشوفه أحلى حد في الدنيا كلها. فبدل ما تتخانقوا، تعالوا نعمل حاجة أحلى. يلا يا بطل سلم على محمود وبوسه من خده.”
تردد محمد، ثم مد إيده الصغيرة. اتصالحوا.
تم الصلح وانقضى الأمر، وعادت ضحكات الأطفال تملأ المكان. لكن قلب عشق كان مازال يضحك من الموقف العبثي.
انتهى يومها الساعة الواحده خرجت من الحضانة وجسدها يصرخ: “كفاية.” الشمس كانت نازلة، والجو حر خانق. وهي في الطريق كانت بتكلم نفسها: “يا زهرة شبابي اللي بقت حزمته جرجير أصفر يا أختي...
فتحت باب الشقة بمفتاحها، وكانت بتفكر هتاكل ايه. لكنها تجمدت مكانها.
الصالون منور. وريحة البرفيوم الرجالي مالية المكان.
"أحمد خالد" قاعد على الكنبة. لابس بدلة كحلي، وشعره متسرح، ورجليه مفرودة بثقة. بيشرب شاي مع أمها وعمها "فؤاد".
المخ وقف. عقلها عمل Error.
“متى جاء؟ مين اللي دخله؟ ليه محدش كلمني؟ هو بيعمل ايه هنا؟ هو ده... هو ده العريس؟”
ثم افتكرت شكلها. وملابسها الفوضويه، وتحت عينها هالات من التعب.
“يا لهوي يا خرابي... هيقول عليا ايه؟ جاي يخطب واحدة شبه شغالة الحضانة؟ رايح يخطب واحدة هبلة ومبهدلة.”
أما هو، فأول ما شافها عينه لمعت. ابتسم ابتسامة صغيرة دافئة. شاف ارتباكها وبقعة الألوان. وماعجبهاش؟ بالعكس. انشرح قلبه. دي حقيقية. مش مزيفة ولا متصنعة.
تقدمت الأم بخطوات سريعة اشبه بالركض: “انتي واقفة كده ليه يا بنتي؟ ادخلى؟ ادخلى يا بنتى سلمي على الضيف يلا.”
دخلت عشق وهي بتجر رجليها. وقف عمها فؤاد بجسمه الضخم: “أهلاً أهلاً أهلاً بعروستنا القمر
. دي عشق يا أحمد يا ابني، قمر البيت.”
وجوهرته العيله
رفعت وشها بالعافية: “السـ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.” صوتها كان بيترعش.
“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بنتي.”
في اللحظة دي، أحمد حس بقلبه. قلبه هو اللي رد قبل لسانه. دقات قلبه كانت عالية لدرجة حس انها هتتسمع. حط ايده على صدره لا إرادياً.
عم فؤاد لاحظ. حمحم بصوت عالي: “حممم. اتفضل يا أحمد يا ابني، سيبنا من الكسوف ده. عرفنا بنفسك.”
فاق أحمد. كان سرحان فيها. الفاتنة دي خطفت عقله.
“أنا... أنا أحمد خالد. شغال في السجل المدني،، سني 32 سنة، ساكن لوحدي في شقة تمليك...”
وبعد ما خلص: “وأنا يشرفني جداً يا عم فؤاد... إني أطلب إيد الآنسة عشق.”
عم فؤاد اتعدل في القعدة وحط رجل على رجل بزهو ملوك: “عشق دي يا أحمد مش أي بنت. دي سِت البنات دي. متربية وأدب وأخلاق وعلم. فمحدش يستهين بيها أبداً.”
ولما أحمد بدأ يتكلم في الشبكة والمهر، الأم قاطعت: “طيب يلا يا عشق قومي اعملي حاجة ساقعة لضيف.”
ثم سحبت ابتها وخرجت
وبصت لبنتها بتحذير: “وانتي، لازم تاجى كلك الوان ومبهدله كده كل يوم ناقص تاجى مبلوله ميه او تاجى كلك طين
عشق مسكت ايد امها فجأة: “آه يا ماما، ايدي وجعتني اوي.”
الأم بصتلها بضجر: “هو انا ضربتك؟
أومال عملتي ايه؟
دي ايد تتمسك كده شكلك نسيتى أن ده ايد بسكوتة.”
“لا بسكوتة ايه يا ماما، انتي غريبة.”
عشق رفعت راسها: “اومال انتي فاكرة نفسك مخلفة غفير؟ ده انا عشق.”
“طيب امسكي الصينية وقدميها للعريس يلا.”
“لازم انا؟”
الأم ضيقت عينيها: “بت، العريس عاجبك صح؟”
“لا طبعا!”
“بت مش عليا. انا حفظاكي. يلا خدي الصينية.”
مشيت ورا امها وهي مرعوبة. شايفاه شاب كويس، بس قلبها مقبوض منه ومش عارفة ليه.
قدمت العصير وهي راسها في الأرض.
الأم: “ادينا مهلة نسأل عنك يا ابني، والبنت لازم تصلي استخارة.”
“طبعا يا عمى.”
ثم استاذن وانصرف
وبعده العم
الام: “لا تمشي فين؟ اتغدا. عاملة مكرونة بشاميل ورقاق.”
“تسلم ايدك، بس لازم امشي. بالإذن.”
الهوا كان مالح. صوت الموج بيخبط في الصخور. الغروب كان منظزه يخطف الأنفاس
"امير" واقف وسط صحابه، التيشيرت الأبيض بتاعه طاير مع الهوا. كان بيضحك من قلبه.
“يا جماعة انا مش مصدق اني هنا! على آخر اليوم بابا اداني الفلوس ب
. كنت فاكر الرحلة راحت.”
"أسامة" حضنه: “انا فرحان عشانك يا صاحبي. انت تستاهل تفرح.”
لكن من بعيد، كان واقف. نادر
اهله ميسرين الحال. فاشل. بيسقط كل سنة. بيكره امير عشان غلبان بس أشطر وأجمل وأصحابه أكتر منه.
“ليه انت عندك كل ده يا جربوع؟” مسك الكرة: “وديني ما هخليك تتهنى.”
رمى الكرة بكل غله في ضهر امير.
في نفس الثانية، امير وطى يجيب محفظة واقعة. الكرة عدت من فوقه.
امير فتح المحفظة:
أسامه دى بتاعت محمود يلا ندهالوا
“محمود، محفظتك.”
“شكرا يا امير كنت بفكر هعمل اى من غير فلوس.”
نادر اتغاظ اكتر: “ماشي يا امير…
تقدم بتجاههم طيب
مش تشوف فيها فلوس ولا لا يا محمود؟”
محمود: “امير يتأمن. لو كان عايز كان خدها كلها.”
امير: “تسلم يا صاحبي.”
نادر مشي بنظرة كره.
امير: “ربنا يهديك. هروح اقعد على البحر شوية. المنظر تحفة بالليل. يلا يا أسامة.”
باب الشركة الإزاز كان بيلمع. "غرام" دخلت وهي قلبها هيقع.
“لو سمحتي، مكتب فارس بيه؟”
“اسمك؟”
“غرام.”
السكرتيرة: “الدور الأخير، يمين.”
طلعت تجري. وقفت قدام السكرتيرة التانية: “انا غرام وعايزة فارس بيه.”
“استني.”
“يا ستاراى اللبس ده بيرتاحوا فيه اذاى وبيتحركوا اذاى
؟”
اتفضلى في انتظارك
دخلت. وجدت "فارس" واقف: “غرام اتفضلي. مجتيش امبارح ليه؟”
لا تستطيع أخباره فالسبب محرج فالتفت كذبه
“رجلي شدت عليا.”
وفي ثانيه
مسك رجلها: “مالك؟”
احمرت خجلا وانتفض جسدها
“سيبني حضرتك بتحرجني!”
وقف يستعدى ثباته
طيب هى مالها
ردت ببلاهه هى اى
ضحك: “رجلك يا غرام.”
وجع مش أكتر.
“طيب جاهزة للشغل؟”
“ايوه. هشتغل اى؟”
مترجمه. في مجال دراستك مرتبك هيكون...
قال الرقم. شهقت: “كتير اوي!”
ضحك بخفه كل ما تتلزمى بالجديه والكفاءة المرتب بيزيد وفي حوافز هتبداى من امتى؟ “ابدأي من دلوقتي.”
اتفضلى السكرتيرة هتعرف المكان
في المكتب الذى ستعمل به
اتعرفت على: حنان، بسمة، سحر، ابراهيم
احب اعرفكم بنفسى انا غرام.
سحر: “انتي حلوة
ردت غرام جبيتى انتى اللى عيونك حلوه
تدخلت حنان
بتاعكسى بنت زيك
مش الراجل اللي كان بيعاكس؟”
غرام: “لا دي موضة قديمة.”
ضحك الجميع على مزحتها.
داخل مكتب فارس
عم زكريا دخل: “ربنا يفرحك زي ما فرحت امير.”
ابتسم فارس لذلك الراجل الطيب البشوش
فارس: “ده زي اخويا.”
عم زكريا:تسلم وتعيش يا ابنى امير فرحان جدا بالرحلة
ربنا يفرحه ديما
عم زكريا: “بعتلي صوره امبارح...”
وقبل ان يرها الصور رن هاتفه
برقم صديق امير
أسامة.
“الو؟
......
مال صوتك مال صوتك يا ابنى؟
.......
ايه؟”
ثم سقط العم مغمى عليه.
