الوسواس الخامس: لا تفتح الصندوق في الرابعة فجر

الوسواس الخامس: لا تفتح الصندوق في الرابعة فجر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

🎬 الفصل الأول: طرقات على جدار الوعي

البيت لا ينام.. هذا ما أدركته بعد أسبوع واحد من انتقالي إليه.

​جدران هذا المنزل القديم الذي ورثته عن جدتي تنبض برائحة الرطوبة والذكريات المنسية. كان شرطها الوحيد في وصيتها المكتوبة بخط يدها المرتعش: 'عِش فيه، استمتع بحديقته، لكن إياك ولمس الصندوق الخشبي القابع في زاوية القبو.. وإلا فتحت على نفسك باباً لا ينغلق'..

​طوال عشرين عاماً، اعتبرت هذه الوصية مجرد خرافة لامرأة مسنة عانت من الخرف في أيامها الأخيرة. لكن الآن، الساعة تشير إلى 3:55 فجراً.

​أنا جالس في الصالة، والصمت ثقيل لدرجة أنني أسمع دقات قلبي متزامنة مع دقات ساعة الحائط المتأرجحة. خمس دقائق تفصلني عن 'الحدث'.

​بدأ الأمر منذ ثلاثة أيام فقط. في تمام الرابعة فجراً، ينقطع التيار الكهربائي تلقائياً لمدة دقيقة واحدة. وفي هذه الدقيقة، يتحول هدوء القبو إلى مسرح لأصوات غريبة.. صوت أنفاس متلاحقة، ضيقة، كأن شخصاً ما يختنق بالداخل ويحاول يائساً دفع غطاء الصندوق الثقيل.

​3:59 فجراً..

نهضت من مكاني دون وعي، كأن هناك خيطاً خفياً يسحبني نحو باب القبو. أمسكت بمقبض الباب البارد. الغموض النفسي الذي يتملكني أقوى من خوفي. انطفأت الأنوار فجأة.. وساد الظلام التام.

​ومن أسفل الباب، ترامت إلى مسامعي تلك الهمسة المبحوحة التي جمدت الدماء في عروقي:

'أخيراً جئت.. لقد تأخرت كثيرا 

🎬 الفصل الثاني: أنفاس في الظلام

​الظلام في هذا المنزل ليس مجرد غياب للضوء، إنه يشبه كائناً حياً يلتف حول عنقك.

​تجمدت يدي على مقبض باب القبو البارد. الصوت الذي جاء من الداخل لم يكن يتخيل لي؛ كان همساً حقيقياً، صوت امرأة يمزق الصمت، يشبه صوت جدتي الراحلة ولكن... بنبرة أصغر سناً بكثير!

​'أخيراً جئت.. لقد تأخرت كثيراً'.. تردد الصدى في عقلي قبل أذني.

​عادت الكهرباء فجأة، وومضت المصابيح بنور أصفر باهت. تراجعت خطوتين للخلف، وأنفاسي تتسارع. عقلي يخبرني أن أهرب من المنزل فوراً، لكن سحر الغموض وفضولي القاتل كانا يهمسان في أذني: 'أنت تريد معرفة الحقيقة'.

​نزلت السلالم الخشبية للقبو خطوة بخطوة، وكان كل درج يصدر صريراً حاداً يبدد الصمت. في الزاوية البعيدة، كان الصندوق الخشبي القديم يقبع تحت طبقة كثيفة من الغبار.. لكن هناك شيء غريب.

​الغبار الذي يغطي الصندوق كان ممسوحاً عن القفل النحاسي الكبير، وكأن يداً ما قد لمسته مؤخراً. والأكثر رعباً... هو الرائحة. لم تكن رائحة رطوبة، بل رائحة عطر نسائي قديم مألوف جداً لدي، عطر كانت تضعه أمي قبل اختفائها المفاجئ وأنا في السابعة من عمري!

​اقتربت بخطوات هشة، وجثوت على ركبتي أمام الصندوق. وضعت أذني على سطحه الخشبي البارد، ولم أسمع شيئاً في البداية.

​وفجأة.. وبدون أي مقدمات، ضرب شيء ما غطاء الصندوق من الداخل بقوة هائلة جعلت الصندوق بأكمله يهتز، وصوت صراخ مكتوم كاد يفجر طبول أذني!

​سقطت على ظهري من الصدمة، وبينما كنت أحاول التراجع زاحفاً إلى الخلف، تجمدت نظراتي على قفل الصندوق النحاسي... لقد بدأ يتحرك وينفتح ببطء من تلقاء نفسه!"

​🎬 الفصل الثالث والأخير

: مرآة الوعي المكسورةصرير القفل النحاسي وهو ينفتح ببطء كان يمزق هدوء الليل. تراجعتُ حتى التزقت ظهري بالجدار الرطب، وعيناي متسعتان من الرعب.

​انفتح غطاء الصندوق الخشبي تماماً.. وتصاعدت منه ذرات الغبار الكثيفة، تلتها رائحة ذلك العطر النسائي القديم. انتظرتُ خروج مسخ، أو شبح، أو أي كائن مرعب.. لكن لم يخرج شيء. ساد هدوء قاتل.

​استجمعتُ شجاعتي المتهالكة واقتربتُ بخطوات ترتجف، ونظرتُ داخل الصندوق.

​لم يكن هناك جثة، ولا لعنة.. كان الصندوق فارغاً تماماً من الداخل، باستثناء شيء واحد مثبت في قاعه: مرآة قديمة مغبرة.

​مسحتُ الغبار عن سطح المرآة بيدي المرتعشة ليتضح انعكاسي فيها. لكن، في اللحظة التي التقت فيها عيناي بعاكس المرآة، تجمّع الدم في عروقي.

​صورتي في المرآة لم تكن تتحرك معي.. كانت صورتي داخل المرآة تبتسم ابتسامة خبيثة وعريضة، وعيناها تشعان بشرٍّ مطلق!

​وفجأة، تحركت يدا 'انعكاسي' داخل المرآة وأمسكت برقبتي من الداخل وكأنها تخنقني، بينما بدأت أنفاسي أنا تتصاعد وتختنق في الواقع! في تلك اللحظة المجنونة، تدفقت الذكريات إلى عقلي كالسيل الجارف..

​تذكرتُ كل شيء. تذكرتُ وصية جدتي كاملة والتي حذفتها من ذاكرتي: 'يا بني، أنت مصاب بالوسواس الخامس.. المرض النفسي النادر الذي يجعلك تخلق مجسماً مادياً لشرورك وتدفنه في صندوق. إياك أن تفتحه فتتحرر خطاياك وتتحكم بك'.

​لم تكن هناك أمٌّ اختفت، ولم تكن الجدة مجنونة.. أنا من فعلت كل شيء في ماضيّ المظلم، وأنا من حبستُ 'جزي المظلم' داخل هذا الصندوق!

​انطفأت الأنوار في تمام الرابعة ودقيقة.. وشعرت بجسدي يُسحب بقوة خارقة إلى داخل الصندوق المظلم، بينما خرج 'انعكاسي' ليرتدي جسدي في العالم الخارجي.

​أغلق غطاء الصندوق بقوة، وعاد القفل النحاسي ليعلق مكانه. والآن، وأنا أكتب لكم هذه الكلمات من الظلام الدامس داخل الصندوق.. أسمع خطوات 'أنا الآخر' يصعد سلالم القبو ببطء، ليبدأ حياتي من جديد.. بينما أنتظر أنا ضحيتي القادمة في الرابعة فجراً."

 

 

image about الوسواس الخامس: لا تفتح الصندوق في الرابعة فجر
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Malak Saber تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-