قمبيز والإسكندر: حين سقط تاج الفراعنة الأصليين إلى الأبد

قمبيز والإسكندر: حين سقط تاج الفراعنة الأصليين إلى الأبد

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

قمبيز والإسكندر: حين سقط تاج الفراعنة الأصليين إلى الأبد

 النبذة المختصرة
بعد قرون من الانحدار والانقسام، سقطت مصر أخيراً بيد غزاة فرس أذلّوا تقاليدها المقدسة، قبل أن يأتي شاب مقدوني بجيش صغير ليُستقبل كمحرر لا كغازٍ، وينهي بذلك آخر فصل من حكم الفراعنة المصريين الأصليين إلى الأبد.

قرون من التشرذم تمهد للسقوط

بعد نهاية الدولة الحديثة، عاشت مصر قرابة خمسة قرون من التشرذم السياسي المتقطع، تعاقب خلالها حكام ليبيون الأصل من الأسرتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين، تلاهم ملوك نوبيون من مملكة كوش الجنوبية استولوا على البلاد وأسسوا الأسرة الخامسة والعشرين، قبل أن يطردهم الآشوريون الغزاة بدورهم من الشرق. حاول ملوك الأسرة السادسة والعشرين، خاصة في عهد بسماتيك الأول وأحمس الثاني، استعادة شيء من مجد مصر القديم واستقرارها الداخلي، مستعينين أحياناً بمرتزقة إغريق مأجورين لتعزيز جيوشهم المتهالكة. لكن هذه المحاولات المتقطعة للنهوض لم تصمد طويلاً أمام صعود قوة جديدة صاعدة في الشرق تهدد العالم القديم بأكمله: الإمبراطورية الفارسية الأخمينية المتوسعة بسرعة مذهلة.

 قمبيز الثاني: غزو يترك ندبة في الذاكرة

في عام 525 قبل الميلاد، غزا الملك الفارسي قمبيز الثاني مصر بجيش ضخم، وهزم آخر فراعنة الأسرة السادسة والعشرين في معركة حاسمة قرب مدينة بيلوسيوم الحدودية، لينهي بذلك آخر فترة استقلال مصري أصيل قبل قرون طويلة من الاحتلالات المتتالية. تصف بعض الروايات اليونانية المتأخرة، خاصة عند المؤرخ هيرودوت، قمبيز بصورة قاسية ومتوحشة، تصفه بأنه أهان تقاليد مصر الدينية المقدسة، بل وقتل عجلاً مقدساً يُدعى أبيس بيده في إحدى الروايات المثيرة للجدل. لكن الأبحاث الحديثة تشكك كثيراً في دقة هذه الروايات المعادية، مرجحة أنها أقرب لدعاية سياسية متأخرة تهدف لتشويه صورة الحكم الفارسي أكثر منها وقائع تاريخية موثقة بدقة، خاصة أن نقوشاً مصرية معاصرة تصف قمبيز نفسه بألقاب فرعونية تقليدية محترمة.

 ثورات متكررة ضد حكم أجنبي مرفوض

لم يتقبل المصريون حكم الفرس بسهولة، فاندلعت خلال قرنين من الاحتلال الفارسي المتقطع سلسلة من الثورات الداخلية المتكررة، بعضها نجح مؤقتاً في استعادة استقلال جزئي قصير المدى خلال الأسرتين الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين، قبل أن يعاود الفرس غزو البلاد وإخضاعها مجدداً بقوة السلاح. عانت مصر خلال هذه الحقبة المضطربة من إهمال ملحوظ لمشاريع الري الزراعي والبناء الكبرى التي ميزت عصورها الذهبية السابقة، إضافة إلى فرض ضرائب باهظة اعتبرها المصريون استنزافاً غير عادل لثروات بلادهم لصالح خزائن إمبراطورية بعيدة في بلاد فارس، مما غذّى مزيداً من الاستياء الشعبي المتراكم ضد الحكم الأجنبي المفروض عليهم قسراً.

شاب مقدوني يظهر عند حدود مصر

في خضم هذا السخط الشعبي المتراكم ضد الحكم الفارسي الثاني، ظهر عام 332 قبل الميلاد قائد شاب طموح من مقدونيا، الإسكندر الأكبر، الذي كان قد سحق بالفعل جيوش الملك الفارسي داريوش الثالث في معارك حاسمة متتالية في آسيا الصغرى وبلاد الشام. توجه الإسكندر نحو مصر ليس بجيش غزو ضخم مرعب، بل بقوة محدودة نسبياً، مدركاً باستراتيجية سياسية ذكية أن المصريين المنهكين من الاحتلال الفارسي الطويل قد يستقبلونه محرراً لا غازياً جديداً. صحّت توقعاته تماماً، إذ استسلمت الحاميات الفارسية في مصر دون مقاومة تُذكر، واستُقبل الإسكندر بترحيب شعبي حقيقي واضح في أنحاء البلاد، متعطشة لأي بديل عن حكم فارسي مرفوض استمر لقرابة قرنين متقطعين من الزمن.

 تتويج فرعوني وزيارة أسطورية لواحة سيوة

في خطوة سياسية ودينية ذكية لكسب ولاء المصريين الكامل، سافر الإسكندر إلى معبد آمون النائي في واحة سيوة الصحراوية البعيدة، حيث زعمت الروايات القديمة أن كهنة المعبد استقبلوه بلقب "ابن آمون"، معلنين شرعيته الإلهية كفرعون مصري كامل الحقوق وفق التقاليد الدينية العريقة. تُوّج الإسكندر رسمياً فرعوناً على مصر في مدينة منف القديمة، متبنياً الألقاب الملكية التقليدية الكاملة، ومقدماً القرابين للآلهة المصرية بطقوس محلية أصيلة، في مزيج ذكي بين هويته المقدونية اليونانية وشرعيته الفرعونية الجديدة المكتسبة. هذا القبول الديني والشعبي الواسع منحه أساساً سياسياً متيناً لم يحظَ به أي غازٍ أجنبي سابق بنفس السهولة والترحيب الحقيقي الظاهر من عامة الشعب المصري.

 مدينة تُبنى لتصبح عاصمة العالم القديم

قبل مغادرته مصر لمواصلة فتوحاته الآسيوية الأوسع، أمر الإسكندر بتأسيس مدينة ساحلية جديدة على البحر المتوسط، أسماها تيمناً باسمه "الإسكندرية"، مختاراً موقعها بعناية استراتيجية فائقة بين البحر وبحيرة مريوط، ليجمع بين ميناء تجاري طبيعي ممتاز وحماية دفاعية جيدة. لم يشهد الإسكندر شخصياً اكتمال بناء هذه المدينة، إذ غادر مصر بعد أشهر قليلة فقط ولم يعد إليها أبداً حياً، لكن هذه المدينة الوليدة كانت مقدراً لها أن تصبح خلال عقود قليلة قادمة أعظم مركز ثقافي وعلمي وتجاري في العالم القديم بأكمله، حاضنة لمكتبتها الأسطورية الشهيرة، ونافذة مصر الجديدة على العالم المتوسطي الأوسع، في بداية فصل جديد كلياً من تاريخ مصر سيُعرف تاريخياً بالعصر البطلمي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

541

متابعهم

701

متابعهم

3597

مقالات مشابة
-