سكان جوف الارض

سكان جوف الارض

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

سكان جوف الارض

 

image about سكان جوف الارض

نبذة عن القصة

كثيرا ما نحكي عن الأرض وهل هي كروية اومسطحة مجوفة ام صماء هناك مخلوقات أخري تعيش علي السطح اوفي الجوف ام لا وهذة القصة تجيب علي هذة الأسئلة 

في قلب جبال الأطلس الشاهقة، عاش "إدريس"، الشاب الشغوف باستكشاف المغارات المنسية. في صباح أحد الأيام، دفعه الفضول إلى عمق مغارة سحيقة لم يطأها إنسان من قبل. كلما توغل، زادت الرطوبة وتغير لون الصخور، حتى انزلق فجأة في هوة مظلمة بدت بلا نهاية.

ظن إدريس أنها نهايته، لكنه استيقظ ليجد نفسه مستلقياً على عشب أخضر ناعم، تحت سماء غريبة لا شمس فيها، بل يغمرها ضياء ذهبي ناعم ينبعث من نواة مشعة في كبد السماء الفسيحة. لقد ولج، دون أن يدري، إلى عالم الأرض المجوفة.

بينما كان يحاول استيعاب الصدمة، اقترب منه جماعة من البشر. كانوا طوال القامة، بملامح تشع سلاماً، ويرتدون أثواباً من ألياف نباتية براقة. لم يتحدثوا لغته، لكن عيونهم كانت تفيض بالترحيب. سرعان ما وجد إدريس نفسه وسط حضارة مذهلة تعيش في تناغم مطلق مع الطبيعة.

image about سكان جوف الارض

كانت حياتهم اليومية نموذجاً للسلام والتعاون؛ فلا وجود للعملات أو المصانع الملوثة، بل يعتمدون على زراعة فواكه وخضراوات عملاقة مغذية، ويستمدون طاقة بيوتهم المنحوتة في الأشجار الضخمة من بلورات مضيئة تشحنها النواة المركزية للأرض. يقضون صباحهم في رعاية الأرض وتطوير العلوم الروحية والفنون، ومساءهم في حلقات الموسيقى وحكاية قصص الكون.

image about سكان جوف الارض

وسط هذا العالم الحالم، خفق قلب إدريس لـ "آريا"، ابنة أحد حكماء المدينة. كانت تمتلك روحاً نقية وعقلاً راجحاً، وتطوعت لتعليمه لغتهم وعاداتهم. نشأت بينهما قصة حب عميقة، توجت بزواج أقيم وسط احتفال بهيج شاركت فيه المدينة بأكملها، حيث قُدمت له ثمار مقدسة ترمز إلى انتمائه الجديد لعالم الأعماق.

أشرقت النواة المركزية للأرض بضيائها الذهبي المعتاد، لتعلن بدء يوم جديد في حضارة الأعماق. لم يكن "إدريس" قد اعتاد بعد على هذا المفهوم؛ ففي الأعلى، تخبرك حركة الشمس بتتابع الوقت، أما هنا، فكل شيء محكوم بنبضات حيوية متناغمة.

 

image about سكان جوف الارض

تجلت عبقرية هذا العالم في تكنولوجيته الحيوية المذهلة. لم تكن هناك مصانع، بل "مستنبتات" ضخمة تُطوع الجينات النباتية. كانت بيوتهم المنحوتة في أجساد الأشجار العملاقة كائنات حية تتنفس؛ فالحوائط تمتص ثاني أكسيد الكربون وتطلق أكسجيناً نقياً معطراً بنكهة الياسمين، بينما تفرز الجذور طاقة كهروكيميائية تُخزن في بلورات الكوارتز لتضيء المنازل ليلاً بوهج فوسفوري دافئ. حتى وسائل النقل كانت عبارة عن مركبات خفيفة عاصفة مصنوعة من ألياف نباتية مرنة تشبه الخيزران، تعمل بوقود مستخلص من طحالب مجهرية تولد طاقة هيدروجينية نظيفة. أما الطب، فكان يعتمد على حشرات دقيقة مُهندسة حيوياً، تُوضع على الجروح لتفرز لُعاباً يرمم الأنسجة في ثوانٍ.

image about سكان جوف الارض

لكن هذا النقاء الباهر لم يكن سهلاً على ابن السطح؛ فقد واجه إدريس صراعاً نفسياً وجسدياً مريراً للتأقلم. في الأشهر الأولى، رفض جسده طعامهم المصنوع من جزيئات نباتية مكثفة، وأصيب بحمى الأعماق الناتجة عن اختلاف الضغط الجوي وطبيعة الهواء المشبع بالبلورات الروحية. والأسوأ من ذلك كان الصراع الثقافي؛ فشعب الأعماق يتواصل بجزء من التخاطر الروحي الممزوج بالكلمات، بينما كان إدريس يمثل لهم كتلة من الصخب والمشاعر المشوشة. شعر للحظات أنه سجين في قفص من الجنة، وكاد اليأس يدفعه للهروب، لولا أن "آريا" احتضنت مشاعره، وصممت له غطاءً من ألياف خاصة تُعدل الضغط حول جسده حتى تعود عليه تدريجياً.

بعد خمس سنوات من العزلة، عاد إدريس عبر المغارة إلى السطح. التقى بعائلته في منزله القديم بقرية جبال الأطلس. كان اللقاء مزيجاً من دموع الفرح والذهول الصادم.

جلس إدريس مع والده العجوز وأخيه الأكبر "طارق" في غرفة المعيشة الضيقة. حدق والده في وجهه بغير تصديق، وقال بصوت متهدج:
— "خمس سنوات يا إدريس؟ ظننا أنك مت في تلك الهاوية! أين كنت؟ ملابسك غريبة، وبشرتك تشع بنور غير طبيعي!"

أجاب إدريس محاولاً تبسيط الأمر:
— "أنا في مكان آمن يا أبي.. مكان في باطن هذه الأرض، يعيش فيه بشر مثلنا، لكنهم لا يعرفون الحروب أو المرض."

قاطعه طارق بحدة ممزوجة بالخوف:
— "باطن الأرض؟ هل جننت يا أخي؟ الأرض صخور وحمم! قل الحقيقة، هل اختطفتك عصابة؟ أم أنك تورطت في أمر سيء؟"

ابتسم إدريس بهدوء وقال:
— "لا يا طارق. لديهم تكنولوجيا لا تخطر على بال بشر؛ يزرعون بيوتهم من البذور، ويستمدون النور من قلب الأرض ذاته. تزوجت هناك من امرأة أنقذت حياتي، واسمها آريا."

امتدت يد الأب المرتعشة لتمسك بكتف ابنه، وقال والدموع في عينيه:
— "إن كان ما تقوله حقاً.. فلماذا تركتنا كل هذه المدة؟ ولماذا لا تعود لتعيش بيننا هنا؟"

تنهد إدريس بعمق، ونظر إلى صخب الشارع الخارجي من النافذة، وقال:
— "عالمكم هنا أصبح يرهقني يا أبي.. الدخان، الضوضاء، والجري وراء المال. هناك وجدت سلاماً نفسياً وجسدياً لم أختبره قط. جئت فقط لأطمئنكم أنني حي، ولأودعكم."

بكى الأب، وحاول طارق منعه، لكن إدريس كان قد حسم أمره. عاد إلى مغارته، ولم يزرهم بعد ذلك إلا مرة واحدة أخيرة بعد عقد من الزمن، ليغلق البوابة خلفه ويدفن سره في أعماق الأرض المجوفة إلى الأبد.

وهنا ننهي قصتنا والي لقاء مع قصة أخري انشاء الله

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
صلاح شعيشع تقييم 0 من 5.
المقالات

3

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-