في هذا المقال
الجبل المسكون والشبح الملعون
نبذة مختصرة
في قلب سلسلة جبال "الأطلس الأسود"، حيث تلتقي قمم الصخر بالسحاب الراحل، يربض جبل "شبحان"؛ ذلك المرتفع المهيب الذي لطالما لُقِّب بين سكان القرى المجاورة بـ "الجبل المسكون". لم يكن مجرد كتلة صخرية صامتة، بل كان كيانًا حيًّا يفيض بالغموض، وتنسج حوله الروايات المرعبة التي تحبس الأنفاس. يُقال إن من يطأ أرضه بعد غروب الشمس لا يعود أبدًا، وإن عاد، يرجع بجسد بلا روح وعينين شاخصتين نحو الفراغ.
بداية الرحلة والتحدي الغامض
بدأت القصة في ليلة خريفية باردة، عندما قرر أربعة أصدقاء من هواة المغامرة وتوثيق الإثارة—يوسف، وسارة، وكريم، وعمر—تحدي الأساطير المحلية. كانوا مجهزين بكاميرات رقمية، ومعدات تسلق، وشغف جارف لكشف الحقيقة وراء الأصوات التي يزعم القرويون سماعها؛ أصوات عويل ممتزج بضحكات هجينة تصدر من أعماق الجبل عند اكتمال القمر.
عند سفح الجبل، كانت لافتة خشبية متهالكة تتأرجح مع الريح، كُتب عليها بخط يدوي متزلزل: "ارجع.. الجبل لا يرحم زواره". لم يلقِ الأصدقاء بالاً للتحذير، وخطوا خطواتهم الأولى داخل الضباب الكثيف الذي بدا وكأنه يبتلع الضوء تدريجيًّا.
همسات في الظلام وأولى الإشارات
مع تقدمهم نحو الممرات الصخرية الضيقة، بدأت الأجواء تتغير بشكل مريب. انخفضت درجات الحرارة إلى حد التجمد، وتوقفت هواتفهم الذكية وأجهزة تحديد المواقع (GPS) عن العمل تمامًا، وكأن الجبل يمتلك مجاله المغناطيسي الخاص لعزلهم عن العالم الخارجي.
فجأة، توقف يوسف مستمعًا بتركيز:
- "هل سمعتم ذلك؟" همس بصوت متهدج.
كان الصوت أشبه بوشوشة جماعية متداخلة، آلاف الأصوات التي تنطق بأسمائهم خلف الصخور مباشرة. التفتت سارة بكاميرتها، لكن الشاشة لم تظهر سوى تشويش رمادي عنيف، قبل أن تلمح عبر عدستها طيفًا أسود طويلًا يتحرك بسرعة خاطفة بين الممرات الخفية. هنا، بدأت دقات القلوب تتسارع، وأدرك الجميع أنهم ليسوا وحدهم.
الفخ الصخري وكابوس المغارة
حاول الفريق التراجع، لكن الصدمة شلت حركتهم؛ الممر الذي سلكوه قبل دقائق قد اختفى تمامًا، وحلت محله جدران صخرية صماء وكأن الجبل يعيد تشكيل نفسه ليحتجزهم داخل أحشائه. لم يتبقَ أمامهم سوى خيار واحد: المضي قُدمًا نحو مغارة واسعة تنبعث منها برودة تلامس العظام.
داخل المغارة، كانت الجدران مغطاة برموز ونقوش قديمة تعود لعصور سحيقة، تسيل منها مادة لزجة تشبه الدماء الداكنة. وفي وسط الكهف، وجدوا متعلقات شخصية لرحالة مفقودين منذ عقود: ساعات متوقفة، وحقائب ممزقة، وصور عائلية باهتة. فجأة، انطفأت كشافات الإضاءة دفعة واحدة، وساد ظلام دامس مطلق.
في تلك اللحظة، سُمع صوت صرخة عمر المكتومة. عندما أضاء كريم قداحته الصغيرة، كان عمر قد اختفى، ولم يتبقَ في مكانه سوى بقعة من الرماد الأسود الدافئ وأثر لأصابع عملاقة مطبوعة على السقف الصخري للمغارة.
مواجهة الكيان المسكون
دب الرعب الهستيري في قلوب الثلاثة المتبقين. ركضوا بلا هدى في ممرات الكهف المتشعبة، بينما كانت الظلال من حولهم تجسد أشكالًا مرعبة لضحايا الجبل السابقين، يمدون أيديهم العظمية ويصرخون طلبًا للانتقام.
أثناء الركض، تعثر كريم وسقط في هوة عميقة ليتلاشى صوته في الأعماق. لم يتبقَ سوى يوسف وسارة. وصلا إلى قمة الجبل حيث المذبح القديم؛ هناك، تجسد الكيان المسكون للجبل. لم يكن شبحًا تقليديًّا، بل كان عبارة عن كتلة ضخمة من الظلام المتحرك، تتوسطها عيون حمراء تشع بالملل الحاقد والطاقة الشيطانية التي حُبست في هذا المكان منذ آلاف السنين نتيجة طقوس سوداء منسية.
شعر يوسف وجسده يتجمد بأن الكيان يتغذى على خوفهم. التفت إلى سارة وصرخ: "لا تنظري إلى عينيه! الرعب هو سلاحه!".
النجاة الممزقة وثمن الفضول
بأعجوبة، ومع بزوغ أول خيط من خيوط الفجر، بدأت قوة الكيان تتقلص تكتيكيًّا وتتراجع نحو الشقوق الصخرية، فالضوء كان نقطة ضعفه الوحيدة. اندفع يوسف وسارة نحو المنحدر، يتدحرجان على الصخور والنباتات الشائكة حتى وصلا إلى أسفل الجبل مع شروق الشمس الكامل.
وصلا إلى القرية بجراح جسدية بالغة، ونفوس محطمة تمامًا. لقد نجا يوسف وسارة بجسديهما، لكن عقولهما ظلت أسيرة هناك. وحتى يومنا هذا، كلما نظرا إلى قمة جبل "شبحان" من بعيد، يقسمان أنهما يبصران ظليّ عمر وكريم يقفان على الحافة، يلوحان لهما بالعودة إلى حضن الجبل المسكون الذي لا يترك أسراه أبدًا.


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق