الأطباق الطائرة بين الحقيقة والخيال (الجزء الرابع)
الأطباق الطائرة بين الحقيقة والخيال (الجزء الرابع)

نبذة مختصرة
كثيرا ما نسمع عن الأساطيرحول الامصال التي تعطي قوة خارقة للإنسان والتي تؤثر علي حياتة الطبيعية.
عاد المهندس عمر إلى حياته الرتيبة بين جدران مصنع الإلكترونيات الكبير، يراقب خطوط الإنتاج ويفحص اللوحات الأم الدقيقة تحت المجهر. مرت الأسابيع وهو يظن أنه مجرد إنسان طبيعي يستيقظ كل صباح ليمارس عمله التقليدي. كانت حواسه هادئة، وعقله مستسلمًا تمامًا لتأثير المصل الذي محا من ذاكرته كل تفاصيل مغامرته الفضائية وزواجه الغامض. عاد يتعامل مع أصدقائه القدامى، خالد وأحمد ومحمد، كأن شيئًا لم يكن، معتقدًا أن الفجوة الزمنية في ذاكرته لم تكن سوى وعكة صحية طارئة أو إرهاق حاد ناجم عن ضغط العمل.لكن الاستقرار لم يدم طويلًا، فقد بدأت الطبيعة الهجينة الكامنة في خلاياه تفرض نفسها بعنف يتجاوز كل ما عرفه سابقًا. في أحد الأيام، بينما كان يحاول إصلاح مولد طاقة ضخم تعطل في المصنع، لامست يده عن طريق الخطأ سلكًا عاريًا يتدفق فيه تيار كهربائي بجهد فائق كفيل بصعق قطيع من الماشية. لم يشعر عمر بالألم، بل أحس بمتعة غريبة وتسارع في نبضات قلبه، وامتص جسده الشحنة الكاملة دون أن تترك أثرًا على جلده. بمرور الأيام، تطورت هذه القوة بشكل مخيف؛ أصبح قادرًا على رؤية المسارات الكهربائية الدقيقة داخل الأجهزة المغلقة بالعين المجردة، كأن عيناه تحولتا إلى ماسح ضوئي يعمل بالأشعة السينية. لم تعد قوته البدنية مجرد صلابة، بل أضحى بإمكانه ثني قضبان الحديد الصلبة في ورشة الصيانة بضغطة واحدة من إبهامه دون أدنى مجهود. كانت حاسة السمع لديه قد بلغت حدًا غير معقول، فكان يستمع إلى همسات العمال في الطرف الآخر من المصنع الذي يبعد مئات الأمتار، ويميز صوت ذبذبات الهواتف المحمولة قبل أن ترن.

تزامن هذا الصعود المرعب في القدرات الجسدية مع هبوط حاد ومظلم في سلامته العقلية. بدأت الهلاوس والهواجس تعود إليه بشكل أفظع وأكثر شراسة من أي وقت مضى. لم تعد مجرد خيالات عابرة، بل تجسدت كأشباح مرئية ومسموعة تلازمه طوال اليوم. حين ينظر في مرايا المصنع، لم يكن يرى انعكاس وجهه، بل يرى وجه الفتاة الفضائية بعينيها الشاسعتين الكاحلتين، وهي تحدق فيه بملامح تجمع بين الحب القاتل والوعيد. بدأت الكوابيس تهاجمه في يقظته؛ فيسمع في عقله همهمات بلغة غير بشرية، أصوات تتردد كصدى في دهاليز معدنية مظلمة، تناديه باسمه وتأمره بالخضوع. كانت الجدران البيضاء للمصنع تبدو له أحيانًا وكأنها تتنفس، وتتحول في عينيه إلى نسيج حيوي لزج يقطر بمادة رمادية. وصل به الأمر إلى رؤية معادلات رياضية معقدة ورموز فلكية غريبة تطفو في الهواء أمامه وتتحرك مع حركة عينيه، مما جعله يشعر بأنه يفقد عقله تمامًا، وأن سجنًا غير مرئي يطبق على أنفاسه.

عندما اشتدت عليه الأزمات ولم يعد قادرًا على تحمل هذا الجحيم اليومي، قرر اللجوء إلى أعز أصدقائه. توجه إلى منزل خالد، وجلس أمامه يرتجف، وعيناه تملأهما الحيرة والرعب، وبدأ يسرد له بالتفصيل ما يحدث معه من قوى خارقة وهلاوس تمزق عقله. عندما سمع خالد منه هذا الكلام، تجمدت الدماء في عروقه وأدرك على الفور ما حدث؛ لقد بدأت جينات التزاوج الفضائي وتأثيرات الرحلة القديمة تكسر حاجز المصل الذي حقنه به سابقًا لإطفاء ذاكرته وقدراته.
لم يتردد خالد، وأسرع إلى خزانته الطبية وأحضر المصل ذاته الذي استخدمه في المرة الأولى، وحقن به ذراع عمر ليوقف هذا الهيجان الجيني ويستعيد ذاكرته بالكامل ليفهم ما يجري. وقف خالد يراقب بنظرات متلهفة، لكن، لم يحدث شيء. بقيت عينا عمر حائرتين ولم يتغير حاله. ملامح الصدمة ظهرت على خالد، فقام على الفور بتركيب جرعة ثانية مركزة بضعف النسبة السابقة، وغرس الإبرة في وريد عمر، وانتظر دقائق بدت كالأعوام، ولكن جسد عمر امتص المصل وكأنه ماء فاتر دون أي استجابة. تملك القلق من خالد، فأعاد حسابات التركيب الكيميائي، ورفع التركيز إلى حده الأقصى والمميت لأي بشر عادي، وحقنه للمرة الثالثة. كانت النتيجة صفرًا؛ لم يتراجع المرض، ولم تتلاشى الهلاوس، ولم تنبثق الذاكرة.
أدرك خالد حينها بعبقريته العلمية أن هناك شيئًا مختلفًا تمامًا وعصيًا على الفهم يحدث داخل جسد صديقه. لم يعد هناك وقت للمجازفة الفردية، فأخذ عمر على وجه السرعة وتوجها إلى صديقهم أحمد في مختبره الطبي المتطور. قام أحمد بإدخال عمر إلى أجهزة الأشعة المقطعية والمغناطيسية المتقدمة، وسحب عينات متعددة من دمه وأنسجته لإجراء تحاليل شاملة وعميقة. بعد ظهور النتائج التي أذهلت أحمد، أخذوا التقارير الطبية والصور الإشعاعية وتوجهوا جميعًا إلى منزل صديقهم محمد، ليكتمل شمل الأصدقاء الأربعة، ويجتمعوا على طاولة واحدة لتفسير هذا اللغز المرعب.

جلس محمد يتفحص الرسوم البيانية وصور التحاليل تحت الضوء، والوجوم يكسو وجهه. تنهد بعمق ونظر إلى أحمد وخالد قائلاً: "الوضع يتجاوز كل حساباتنا. التحاليل تظهر أن دم عمر لا يحتوي على بقايا مصلنا القديم فحسب، بل تم حقنه بمادة نادرة للغاية، مركبة كيميائيًا وبيولوجيًا بشكل أكثر قوة وتعقيدًا من أي تكنولوجيا نعرفها على الأرض. هذا المركب الفضائي الجديد يقوم بإعادة هيكلة حمضه النووي، ويعمل كدرع واقٍ يلتهم أي مصل نحاول حِقنه به، وهو السبب في تضاعف قواه وعودة الهلاوس كأثر جانبي لرفض جسده البشري الجزئي لهذا التحول الشامل".
حاول الأصدقاء الثلاثة، مستعينين بكل معارفهم وأجهزتهم، تحليل هذا المركب الغريب ومحاكاة تركيبته لكشف سره أو إيجاد ترياق يبطل مفعوله، لكن كل المحاولات باءت بالفشل الذريع؛ فالروابط الذرية للمادة كانت تغير شكلها ومقاومتها مع كل اختبار. خيم الصمت الثقيل على الغرفة، وامتزجت نظرات الأصدقاء بالعجز والخوف على مصير صديقهم. استدار خالد ببطء نحو عمر، ووضع يده على كتفه، ونظر في عينيه بثقل شديد وقال له بنبرة تحذيرية حاسمة: "خذ حذرك من الآن فصاعدًا يا عمر.. يبدو أنهم لن يتنازلوا عن مخططهم، وما يحدث لك الآن ليس سوى البداية لمواجهة أكبر".