غزة التي لم تنم.. حكاية عائلة تبحث عن الأمان

غزة التي لم تنم.. حكاية عائلة تبحث عن الأمان

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

غزة التي لم تنم.. حكاية عائلة تبحث عن الأمان

في غزة، لم يعد الليل يعني النوم، ولم يعد الصباح يعني بداية يوم جديد. صار الناس يفتحون أعينهم وهم يتساءلون: ماذا حدث هذه المرة؟ وهل ما زال البيت واقفًا؟ وهل ما زال أحباؤنا بخير؟

كان آدم شابًا في الثالثة والعشرين من عمره، يعيش مع والدته وأخته الصغيرة في منزل متواضع. قبل الحرب، كانت حياتهم بسيطة جدًا؛ أمه تعد الطعام، وأخته تذهب إلى المدرسة، وهو يحلم بأن يجد عملًا يساعد به عائلته.

لكن الحرب غيّرت كل شيء.

في إحدى الليالي، جلس آدم بجانب أمه وأخته في غرفة صغيرة، بينما كانت أصوات القصف تهز المكان من بعيد. كانت أخته الصغيرة تمسك بيد أمها وتسألها بصوت مرتجف:

"ماما... إمتى رح تخلص الحرب؟"

لم تعرف الأم ماذا تجيب.

نظرت إلى ابنتها، وابتسمت رغم الخوف، وقالت: "إن شاء الله قريب يا روحي."

كانت الأم تحاول أن تكون قوية، ليس لأنها لا تخاف، بل لأن ابنتها كانت تحتاج إلى شخص تشعر معه بالأمان.

مع مرور الأيام، بدأت الأشياء التي اعتادوا عليها تختفي واحدة تلو الأخرى. أصبح الحصول على الماء مهمة صعبة، والطعام شيئًا يجب التفكير فيه قبل كل وجبة، والكهرباء ذكرى يتحدثون عنها.

أما المدرسة، التي كانت أخت آدم تحبها كثيرًا، فلم تعد كما كانت.

احتفظت بدفترها القديم، وكانت تفتحه من وقت لآخر وتكتب في إحدى صفحاته:

"عندما تنتهي الحرب، أريد أن أعود إلى المدرسة."

قرأ آدم الجملة ذات يوم، وشعر بغصة في قلبه.

قال لها: "ورح ترجعي، وراح تكتبي أحلام أكبر من هاي الصفحة."

ابتسمت وقالت: "وإنت شو بدك تعمل؟"

أجابها: "أنا؟ بدي أشوفك تدرسي وتكبري، وبدي أشوف غزة ترجع تضحك."

كانت غزة بالنسبة لآدم أكثر من مكان يعيش فيه. كانت البحر الذي اعتاد أن يجلس أمامه، والأزقة التي يعرفها، ورائحة الخبز، وذكريات الطفولة، وصوت أمه وهي تناديه من شرفة البيت.

وفي يوم آخر، اضطروا إلى ترك منزلهم والبحث عن مكان أكثر أمانًا. حملت الأم حقيبة صغيرة، وضعت فيها بعض الملابس وصور العائلة وأوراقًا قديمة.

نظر آدم إلى البيت قبل أن يغادر، وكأنه يحاول أن يحفظ كل تفاصيله في ذاكرته.

image about غزة التي لم تنم.. حكاية عائلة تبحث عن الأمان

قالت له أمه: "يلا يا ابني."

أجابها: "لحظة بس."

وقف أمام الباب طويلًا، ثم قال بصوت منخفض:

"إن شاء الله نرجع."

image about غزة التي لم تنم.. حكاية عائلة تبحث عن الأمان

لم يكن يعرف متى سيعودون، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أن الإنسان عندما يفقد بيته، لا يفقد ذكرياته معه.

مرت الأيام ثقيلة، لكن آدم ظل يحاول أن يزرع الأمل في قلب أخته. كان يروي لها عن البحر، وعن المدرسة، وعن الأيام التي كانوا فيها يجتمعون حول مائدة واحدة دون خوف.

وفي إحدى الليالي، سألته أخته:

"آدم، بتتوقع غزة ترجع حلوة؟"

نظر إليها وقال:

"غزة ما بطلت حلوة... إحنا بس مستنيين يوم ترجع تضحك."

كانت تلك الجملة بسيطة، لكنها حملت كل ما بقي في قلبهم من أمل.

فالحرب قد تهدم بيتًا، وتسرق أيامًا جميلة، وتترك وراءها وجعًا لا يُنسى، لكن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بحلمه.

وحلم آدم لم يكن كبيرًا.

كان يريد فقط أن يستيقظ ذات صباح، دون خوف، يسمع صوت أمه وهي تحضر الإفطار، ويرى أخته تحمل حقيبتها متجهة إلى المدرسة.

كان يريد صباحًا عاديًا.

وفي غزة، أحيانًا يصبح الصباح العادي أعظم حلم.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
عادل حجازي تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

5

متابعهم

14

مقالات مشابة
-