ارائحة المطر والندوب

ارائحة المطر والندوب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 لفصل الأول: رائحة المطَر وندوب القدِيم

​كان السكون يلفّ مكتب "محيي" في الطابق الرابع. الساعة تجاوزت الثامنة مساءً، ولم يكن يُسمع في المكان سوى صوت قطرات المطر العنيفة التي تضرب زجاج النافذة، وصوت ضربات أصابعه المنتظمة على سطح المكتب الخشبي وهو يراجع التصاميم الأخيرة لمشروع الهيكلة الهندسية للمدينة الجديدة.

​كان محيي رجلاً ثلاثينياً يحيط نفسه بجدار صلب من النظام والدقة. حياته أشبه بمعادلة رياضية محكمة لا تقبل الاحتمالات أو المفاجآت. بالنسبة له، كل المشاعر التي لا يمكن التحكم بها هي مجرد مصدر للفوضى.

​طرقات خفيفة على باب المكتب قطعت تركيزه.

​قبل أن يسمح بالدخول، فُتح الباب ببطء. دخلت "نور"، تدفع الباب بكتفها وهي تحمل ملفاً ضخماً وكوباً من القهوة كاد أن يسقط منها. كانت معطفها دافئاً وقطرات المطر تتلألأ على أطراف شعرها الثائر قليلاً.

​تنحنحت وهي تبتسم ابتسامة هادئة تحمل مزيجاً من التحدي والاعتذار:

“مساء الخير يا مهندس محيي... أعلم أن الدوام الرسمي انتهى منذ ساعتين، ولكن ملفات التقييم المعماري أصبحت جاهزة، ولا بد أن نراجعها سوياً قبل اجتماع الغد.”

​رفع محيي رأسه ببطء، وتطلع إليها بنظرة هادئة لكنها صارمة. كانت نور قد انضمت إلى الفريق منذ أسابيع قليلة فقط كمهندسة تخطيط. على عكسه تماماً، كانت تعتمد على الحس والفن والحرية في أفكارها، وتلغي صرامة الأرقام لصالح جمالية الأثر الإنساني في المكان. هذا التباين جعل النقاشات بينهما في الاجتماعات السابقة أشبه بسباق قوة بين عقلين مختلفين.

​"مرحباً يا نور،" قال محيي بصوت خفيض وواثق وهو يشير إلى الكرسي مقابل مكتبه: “ظننتُ أن الجميع غادروا.”

​جلسَت نور وألقت بالملف أمامها، ثم سحبت نفساً عميقاً وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة:

“الجميع غادروا بالفعل، لكن هذا المشروع يعنيني تماماً كما يعنيك. وأعرف أنك لن تنام الليلة إن لم تتأكد من أن كل التفاصيل تسير كما رسمتَها في مخيلتك.”

​ابتسم محيي ابتسامهimage about ارائحة المطر والندوب خفيفة لم تصل لعينيه، وأردف:

“الاهتمام بالتفاصيل ليس خطيئة يا نور، إنه الفرق بين مبنى يصمد لعقود، وآخر ينهار عند أول هزة أرضية.”

​"ولكنك أحياناً تركز على جدران المبنى ونسيج الخرسانة، وتنسى الأشخاص الذين سيعيشون داخل هذه الجدران،" ردت نور ببديهية سريعة وهي تفتح الصفحات الأولى من المخطط.

​ساد الصمت للحظة، صمت محمل بنوع من التوتر اللذيذ الذي يعقب النقاشات الحادة. في تلك اللحظة، انطفأت الأنوار فجأة داخل المكتب وفي الممر الخارجي، وغرق المكان في عتمة كاملة، باستثناء أضواء الشارعالشارع الخافتة التي تعكسها قطرات المطر على الزجاج.

​"ما الذي حدث؟" تساءلت نور وهي تتراجع إلى الخلف قليلاً في عتمة الغرفة.

​"يبدو أن المطر أثر على المولد الرئيسي للمبنى،" قال محيي بهدوء، بينما أخرج هاتفه ليفعل إضاءة الفلاش.

​سطع ضوء الهاتف بينهما، ليعكس ظلالهما على الجدران العالية. لأول مرة، لم تكن هناك شاشات كمبيوتر ولا أوراق ولا جداول زراعية أو هندسية تفرق بينهما. كانت المسافة بينهما متقطعة بصوت المطر وصوت أنفاسهما المنظمة.

​قامت نور من مكانها واقتربت من النافذة الكبيرة، تنظر إلى المطر الغزير وهو يغسل الطرقات بالخارج. قال محيي وهو يقف على بعد خطوات منها:

“المطر الليلة شديد... لن تتوقف الحركة بسهولة خارج المبنى.”

​لتفتت إليه نور، وكان ضوء الهاتف الموضوع على المكتب يضيء جانباً من وجهها، لتبدو نظرتها أكثر عمقاً وليناً مما تظهره عادة في اجتماعات العمل.

​"هل تعلم يا محيي؟" قالت بنبرة دافئة خالية من أي منافسة: “أحياناً تكون الفوضى أفضل ما يحدث لنا. توقف كل شيء رغماً عنا يجعلنا نلتفت لما حولنا بصدق.”

​نظر إليها محيي صامتاً. للمرة الأولى، لم يجد في عقله حجة منطقية أو رداً هندسياً يرد به عليها. شعر بشيء يلمس ذلك الجدار الصلب الذي بناه حول قلبه منذ سنوات طويلة.

​وقبل أن يجيبها، رن هاتف نور فجأة ليكسر السكون، معلناً عن وصول رسالة، وتغيرت ملامح وجهها قليلاً وهي تقرأ الشاشة، وكأن الماضي طرق بابها فجأة في هذه الليلة الماطرة…

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohamed Elsayed Ramzy تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-