في هذا المقال

الفصل الأول: أمي أم كذبة جديدة؟
فتح يوسف الباب بعنف.
كانت تقف أمامه امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي معطفًا رماديًا مبتلًا بالمطر، وشعرها الأسود تتخلله خصلات بيضاء. كانت تتنفس بصعوبة، وعيناها معلقتين بوجهه كأنها تبحث فيه عن شخص فقدته منذ زمن بعيد.
ما إن رأته حتى وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها.
— يوسف... يا ابني.
تراجع يوسف خطوة.
— إنتِ مين؟
اقتربت المرأة منه، لكنها توقفت عندما رأت الغضب في عينيه.
— أنا مريم. أمك اللي حرموها منك.
خرجت أمه التي ربّته من الغرفة، وما إن رأت المرأة حتى شهقت وكادت تسقط. أسرع يوسف بإسنادها، لكنه لاحظ أنها لا تنظر إلى مريم باعتبارها امرأة غريبة، بل كأنها ترى كابوسًا عاد بعد سنوات طويلة.
صرخ يوسف:
— حد يفهمني! إيه اللي بيحصل في البيت ده؟
أجابت مريم بصوت مرتجف:
— أبوك الحقيقي اسمه عادل. كان أخو حامد، وعاش عمره كله وهو فاكر إنك مت.
التفت يوسف إلى عمه، الذي كان يقف عند نهاية الممر.
— إنت قلت لي إن أبويا مات من ساعات!
رد حامد بصوت خافت:
— الراجل اللي دفناه النهارده اسمه عادل فعلًا.
ساد الصمت.
شعر يوسف أن الكلمات فقدت معناها.
— يعني إيه؟!
اقتربت مريم منه وهمست:
— اللي اتدفن النهارده هو أبوك الحقيقي، يا يوسف. لكن الراجل اللي ربّاك مش أبوك البيولوجي. هو أخدك مني وإنت رضيع، وقال لي إنك مت.
نظر يوسف إلى أمه التي ربّته.
كانت تبكي، لكنها لم تنكر شيئًا.
وفي تلك اللحظة، فهم أن حياته كلها كانت مبنية على قصة لم يختر أن يعيشها.
الفصل الثاني: اعتراف تحت التهديد
جلس الجميع في الصالة. لم يسمح يوسف لأحد بالمغادرة قبل أن يسمع الحقيقة كاملة.
بدأت مريم تحكي.
قبل ثمانية وعشرين عامًا، كانت تعمل في محل صغير للخياطة، وهناك تعرفت إلى عادل، شاب بسيط من عائلة تملك أراضي ومحلات تجارية. أحبها، ووعدها بالزواج، لكن عائلته رفضت ارتباطه بها لأنها فقيرة.
وعندما اكتشفوا أنها حامل، حاول حامد إقناع أخيه بالتخلي عنها، وعرض عليه المال ليسافر ويبدأ حياة جديدة.
رفض عادل.
وبعد ولادة يوسف، اختفت مريم من المستشفى لثلاثة أيام بسبب أزمة صحية. وعندما عادت، أخبروها أن طفلها مات.
لم تصدقهم، لكنها لم تكن تملك المال ولا النفوذ لتثبت كذبهم.
قالت وهي تمسح دموعها:
— فضلت أدور عليك سنين. كل باب خبطت عليه اتقفل في وشي. ولما عرفت الحقيقة، كان عادل اختفى هو كمان.
سألها يوسف:
— وإنتِ عرفتي إزاي إنه عايش؟
نظرت إلى حامد.
— لأنه هو اللي بعت لي الرسالة من أسبوع، وقال لي إن الوقت جه علشان ابنه يعرف كل حاجة.
انتفض حامد.
— كفاية كذب يا مريم!
وقبل أن يكمل، أخرج يوسف الهاتف ووضع أمامه صورة الرجل المقيد.
— مين الراجل اللي في الصورة؟
تغير لون وجه عمه.
اقترب من الهاتف، ثم جلس ببطء وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
قال بصوت يكاد لا يُسمع:
— دي صورة عادل... لكن الصورة دي مستحيل تكون حديثة.
— ليه؟
رفع حامد عينيه، وقال:
— لأن عادل مات من عشرين سنة.
توقف قلب يوسف للحظة.
— إنت بتقول إيه؟ أنا لسه دافنه النهارده!
لم يرد حامد.
وفجأة، دوّى صوت تحطم زجاج من الطابق العلوي.
ركض يوسف نحو السلم، وتبعه الجميع. كان باب غرفة أبيه مفتوحًا، والأوراق مبعثرة في كل مكان، والصندوق الأسود اختفى.
على الحائط، كُتبت جملة باللون الأحمر:
«لو عايز تعرف أبوك مين، اسأل أمك عن اللي حصل ليلة ولادتك.»
التفت يوسف إلى أمه التي ربّته.
كانت ترتجف بعنف.
ثم سمعها تقول بصوت مبحوح:
— أنا ما سرقتكش يا يوسف... أنا كنت بحاول أنقذ حياتك.
الفصل الثالث: الاسم المكتوب في شهادة الوفاة
لم يستطع يوسف الانتظار حتى الصباح.
أمسك بالمفتاح الفضي الذي وجده في الصندوق، وتذكر رقم المخزن الذي ذكره الرجل المجهول: سبعة.
غادر البيت دون أن يخبر أحدًا، واتجه إلى محطة القطار القديمة في أطراف المدينة.
كان المكان شبه مهجور. أبواب صدئة، وممرات مظلمة، ورائحة رطوبة تملأ الهواء.
بعد بحث طويل، وجد المخزن رقم سبعة.
أدخل المفتاح في القفل، فاستدار بسهولة.
في الداخل، كانت هناك حقيبة سوداء فوق طاولة معدنية، وبجانبها جهاز تسجيل قديم وصورة لعادل يحمل طفلًا صغيرًا.
شغّل الجهاز.
جاءه صوت أبيه، واضحًا رغم التشويش:
«يوسف، لو بتسمع التسجيل ده، يبقى حامد فشل يخفي الحقيقة. أنا ما متش من عشرين سنة، زي ما الناس صدقت. اختفيت علشان أحميك، لكن اللي عملته خلّاك تعيش كذبة عمرك كله.
في الحقيبة هتلاقي شهادة ميلادك الأصلية، واسم الشخص اللي دفع فلوس علشان يختفي ابن عادل للأبد.
بس قبل ما تقرأ الاسم، لازم تعرف حاجة واحدة…
الست اللي ربتك مش هي اللي أخدتك من المستشفى.»
توقف التسجيل فجأة.
فتح يوسف الحقيبة بيدين مرتجفتين، وأخرج شهادة ميلاد قديمة، ثم ورقة أخرى تحمل ختمًا رسميًا.
كانت شهادة وفاة.
قرأ الاسم المكتوب فيها مرة، ثم مرة ثانية.
عادل عبدالسلام.
وتحت الاسم، وجد تاريخ الوفاة: قبل عشرين عامًا.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في خانة المبلّغ عن الوفاة.
الاسم المكتوب لم يكن اسم حامد، ولا اسم أي فرد من العائلة.
كان اسم يوسف نفسه.
وتحت التوقيع، ظهرت صورة بطاقة شخصية تحمل صورته الحالية، ورقمًا لا يخص أي بطاقة يعرفها.
قبل أن يستوعب ما يراه، انغلق باب المخزن خلفه.
وسمع صوت رجل يقول من الظلام:
— أخيرًا وصلت يا يوسف.
استدار مذعورًا.
خرج رجل من خلف الرفوف، يحمل مسدسًا، ووجهه يشبه وجه عادل في الصورة القديمة إلى حد مخيف.
ابتسم الرجل وقال:
— عندك سؤال واحد بس قبل ما نمشي من هنا... تحب تعرف مين أبوك الحقيقي، ولا تحب تعرف مين اللي كتب اسمك في شهادة وفاة أبوك من عشرين سنة؟
تراجع يوسف حتى اصطدم بالطاولة.
ثم أضاف الرجل:
— على فكرة... أمك اللي ربتك عارفة إني موجود. وهي اللي اتفقت معايا أسكتك للأبد.
نهاية الجزء الثاني.
يتبع في الجزء الثالث: «الابن الذي مات مرتين» — عندما يكتشف يوسف أن اسمه لم يُكتب في شهادة وفاة أبيه بالخطأ، وأن هناك شخصًا يعيش بهوية أخرى منذ عشرين عامًا.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق