في هذا المقال

الإيجار الذي لم يتوقف. لم ينم كريم تلك الليلة.
كانت كلمات عم صابر تتردد في رأسه، وصورة والده الحقيقي لا تفارق عينيه. أما أمه نادية، فقد نقلها الجيران إلى المستشفى بعد سقوطها المفاجئ، ولم يستطع الأطباء تحديد سبب فقدانها الوعي بشكل قاطع.
جلس كريم أمام باب غرفتها في المستشفى، يقلب المفتاح النحاسي بين أصابعه.
«محدش يفتح الشقة قبل عيد ميلادك الخامس والعشرين».
لماذا انتظر أبوه كل هذه السنوات؟ وما علاقة الشقة باختفائه وهو طفل؟
في السادسة صباحًا، وصلته رسالة من رقم مجهول:
«لو دخلت الشقة، ما تلمسش أي حاجة عليها علامة حمراء».
لم يكن في الرسالة اسم، ولا تفسير.
اتصل بالرقم، لكنه كان مغلقًا.
شعر كريم بالخوف، لكنه كان قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها قادرًا على التراجع. إذا كانت حياته كلها مبنية على كذبة، فلا بد أن يعرف من كتبها.
عاد إلى العمارة بعد الظهر. وجد عم صابر جالسًا خلف مكتبه الصغير عند المدخل، يراجع دفترًا قديمًا.
رفع الرجل عينيه وقال:
— رايح فين يا كريم؟
— الدور الرابع.
أغلق عم صابر الدفتر بسرعة.
— مفيش حاجة تستاهل تطلع هناك.
ابتسم كريم ابتسامة باردة.
— غريبة! إنت بنفسك قلت لي إن الشقة فيها الحقيقة.
نهض الرجل ببطء، ووقف أمامه.
— أحيانًا الحقيقة بتكون أغلى من إنك تقدر تدفع تمنها.
رد كريم:
— وأنا دفعت عمري كله من غير ما أعرف أنا بدفع تمن إيه.
تركه وصعد السلالم.
كان الدور الرابع أكثر ظلمة مما تذكر. المصباح المعلق في السقف يومض كل بضع ثوانٍ، والهواء يحمل رائحة رطوبة قديمة.
توقف أمام الباب رقم 17.
أخرج المفتاح وأدخله في القفل.
دار بسهولة، كأن أحدًا استخدمه منذ وقت قريب.
دفع الباب ببطء.
لم تكن الشقة مهجورة كما تخيل. الأثاث مغطى بأقمشة بيضاء، والساعة المعلقة على الحائط متوقفة عند الثانية عشرة وخمس عشرة دقيقة. وعلى الطاولة وُضع كوب شاي جاف، وبجواره صورة عائلية قديمة.
اقترب كريم من الصورة.
رأى أباه الحقيقي، فؤاد الشناوي، واقفًا بجوار أمه نادية، وبينهما طفل صغير ملفوف ببطانية زرقاء.
كان الطفل يشبه كريم بصورة مخيفة.
قلب الصورة، فوجد تاريخًا مكتوبًا خلفها:
15 أكتوبر 2001.
التاريخ نفسه الذي رآه على الصورة التي يحملها عم صابر.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه.
على طرف الصورة بقعة حمراء صغيرة.
تذكر الرسالة فورًا: «ما تلمسش أي حاجة عليها علامة حمراء».
تراجع خطوة.
وفي اللحظة نفسها، سمع صوتًا يأتي من غرفة النوم.
صوت طفل يضحك.
تجمد في مكانه.
حاول إقناع نفسه أن الصوت جاء من شقة مجاورة، لكن الضحكة تكررت، ثم تبعتها ثلاث طرقات خفيفة على الباب الداخلي.
اقترب كريم بحذر، وفتح الباب.
كانت الغرفة فارغة، باستثناء سرير صغير وخزانة خشبية.
على السرير وُضعت ورقة مطوية، كُتب عليها اسمه.
فتحها بسرعة.
«كريم، لو وصلت لهنا، يبقى عم صابر فشل يمنعك. افتح الدرج السفلي في الخزانة، وهتعرف ليه كل الناس كانت فاكرة إنك ميت».
انحنى أمام الخزانة، وفتح الدرج.
وجد ملفًّا طبيًّا قديمًا، وشهادة ميلاد، وصورة لطفلين متطابقين تمامًا.
فتح الملف.
كان يحمل اسم طفل: آدم فؤاد الشناوي.
وتحته جملة صادمة:
«توفي الطفل آدم في ظروف غير معلومة بتاريخ 15 أكتوبر 2001».
ارتجفت يد كريم.
كان تاريخ ميلاده هو نفسه التاريخ المكتوب في الملف.
هل كان اسمه الحقيقي آدم؟ وهل عاش شخص آخر حياته باسمه؟
قلب الأوراق بسرعة، حتى وصل إلى صفحة تحمل توقيع الطبيب وختم المستشفى. لكن الصفحة التالية كانت ممزقة، ولم يبقَ منها إلا طرف صغير يحمل ثلاث كلمات:
«تم تسليم الطفل إلى...»
وفجأة، سمع صوت الباب الخارجي يُغلق بعنف.
ركض إلى الصالة.
كان هناك رجل يقف عند المدخل، يرتدي ملابس سوداء ويحمل هاتفًا في يده.
صرخ كريم:
— إنت مين؟ وبتعمل إيه هنا؟
لم يرد الرجل. أخرج من جيبه صورة صغيرة وألقاها على الأرض.
ثم قال بصوت هادئ:
— اسأل أمك مين فيكم مات فعلًا.
اندفع كريم نحوه، لكن الرجل فتح الباب وهرب إلى السلم.
لحق به كريم حتى وصل إلى المدخل، إلا أنه لم يجد أحدًا.
عاد إلى الشقة، والتقط الصورة من الأرض.
كانت صورة لطفلين رضيعين في حضّانة مستشفى.
على ظهرها كُتبت عبارة بخط أمه:
«آدم مات... وكريم لازم يعيش».
شعر كريم أن الهواء اختفى من المكان.
طفلان؟ اسم مختلف؟ وقرار بأن يعيش أحدهما ويموت الآخر؟
وقبل أن يستوعب ما قرأه، اهتز هاتفه برسالة جديدة من الرقم المجهول:
«الحقيقة مش إنك ابن فؤاد الشناوي يا كريم. الحقيقة إن فؤاد كان عنده ابنان... وأحدهما دُفن باسم الآخر».
رفع كريم عينيه نحو الصورة العائلية المعلقة على الحائط.
كان هناك شيء لم يلاحظه من قبل.
خلف أبويه، في انعكاس المرآة، ظهر رجل ثالث يقف في الظل.
اقترب كريم من الصورة حتى كادت أن تلامس وجهه.
كان الرجل هو عم صابر.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في التاريخ المكتوب أسفل الصورة:
«إلى نادية، من زوجك فؤاد... في ذكرى زواجنا العشرين».
زواج عشرين عامًا؟
هذا يعني أن فؤاد كان متزوجًا من أمه قبل ولادته بسنوات طويلة، وأن هناك تاريخًا كاملًا لا يعرف عنه شيئًا.
وفجأة، رن هاتفه.
كانت المكالمة من المستشفى.
رد بسرعة:
— ألو! أمي عاملة إيه؟
جاءه صوت الممرضة متوترًا:
— أستاذ كريم، والدتك فاقت، لكنها مصممة تتكلم معاك فورًا. بتقول إن حياتك في خطر.
— أنا جاي حالًا.
وقبل أن يغلق الخط، سمع صوت أمه يصرخ من بعيد:
— كريم! ما تثقش في الدكتور اللي واقف جنبي! ده هو اللي بدّل الأطفال!
انقطعت المكالمة.
ظل كريم ممسكًا بالهاتف، غير قادر على الحركة.
ثم سمع خلفه صوت باب الشقة يُغلق ببطء.
استدار.
كان عم صابر واقفًا في الداخل، وفي يده الملف الطبي الممزق.
نظر إليه طويلًا، ثم قال:
— كان نفسي ما توصلش للحقيقة دي أبدًا.
وسكت لحظة، قبل أن يضيف:
— لأن الطفل اللي اتبدّل في المستشفى... ما كانش أخوك يا كريم. كان ابنك.
نهاية الجزء الثاني.
يتبع في الجزء الثالث: الطفل البديل.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق