In this article

الفصل الأول: الصوت القادم من الماضي
ظل آدم واقفًا في منزل والده، والهاتف يرتجف بين أصابعه.
«خدوا آدم من هنا... وسيبوا ياسين.»
كانت الجملة تتكرر في رأسه كأنها اعتراف بجريمة لم يفهمها بعد.
لماذا كان والده يتحدث عنهما بهذه الطريقة؟ ومن الأشخاص الذين أمرهم بأخذه بعيدًا عن أخيه؟
اتصل بليلى.
— لازم أشوفك حالًا.
— حصل إيه؟
— لقيت تسجيل لأبويا. كان عارف إن ياسين عايش بعد اختفائه.
صمتت ليلى لحظة، ثم قالت:
— كنت متوقعة إنك هتوصل للتسجيل ده.
— يعني إيه كنتِ متوقعة؟ إنتِ عارفة إيه كمان؟
— تعالى على مكتبي، وهفهمك كل حاجة أقدر أقولها.
بعد نصف ساعة، جلس آدم أمامها في مكتب صغير فوق مطبعة قديمة. أخرجت ليلى ملفًا طبيًا مصفرًا، ووضعته على الطاولة.
— ده جزء من سجل مستشفى الروابي العام. اختفى من الأرشيف من سنين، لكن نسخة منه وصلتني من ممرضة كانت بتشتغل هناك.
فتح آدم الملف.
وجد تقريرًا عن طفل مجهول الهوية أُدخل المستشفى ليلة اختفاء ياسين. الطفل كان مصابًا في رأسه، ورفض الشخص الذي أحضره تسجيل اسمه.
لكن في أسفل التقرير، ظهرت عبارة بخط اليد:
«تم التعرف على الطفل بواسطة الضابط محمود منصور.»
وتحتها توقيع الطبيب المناوب: الدكتور نادر فوزي.
رفع آدم رأسه.
— الدكتور نادر لسه عايش؟
أجابت ليلى:
— حسب السجلات، مات سنة 2011.
— يبقى ندور على اللي كتب التقرير.
قالت ليلى بصوت منخفض:
— المشكلة إن الدكتور نادر مات سنة 2011... وظهر اسمه في شهادة وفاة تانية سنة 2018.
نظر إليها آدم دون أن يتكلم.
— شهادة الوفاة التانية اتسجلت في محافظة تانية، بنفس الرقم القومي. كأن فيه شخصين بنفس الهوية، أو شخصًا واحدًا عاش حياة سرية بعد موته.
أغلق آدم الملف.
— هنروح المستشفى.
الفصل الثاني: الغرفة رقم 12
كان مستشفى الروابي القديم مغلقًا منذ سنوات، بعد انتقال الخدمات إلى المبنى الجديد. لكن جزءًا من الأرشيف ظل محفوظًا في مبنى جانبي لم يُهدم.
وصل آدم وليلى بعد غروب الشمس. استخدما تصريحًا رسميًا للدخول إلى الأرشيف، ورافقهما موظف عجوز اسمه عم صابر.
حين سمع اسم الدكتور نادر، تغير وجه الرجل.
— الدكتور ده كان محترم، بس اختفى فجأة بعد حكاية الطفل.
سأله آدم:
— أي حكاية؟
تلفت عم صابر حوله قبل أن يجيب:
— ليلة ما الطفل جه هنا، جه معاه ضابط. وبعدها بساعات، اتقفل جناح الأطفال كله، واتقال لنا إن فيه عدوى. بس أنا شفت الدكتور نادر خارج من غرفة رقم 12 وهو بيعيط.
— والطفل؟
— ما شفتوش بعدها.
قادهم إلى ممر ضيق تفوح منه رائحة الرطوبة. كانت الأبواب القديمة مرقمة بأرقام باهتة، حتى وصلوا إلى باب يحمل الرقم 12.
كان مقفلًا بسلسلة صدئة.
قال عم صابر:
— الغرفة دي محدش دخلها من يوم ما قفلوا المستشفى.
طلب آدم منه إحضار مفتاح المخزن، بينما راحت ليلى تفحص الجدار المجاور. لاحظت أن إحدى البلاطات مختلفة عن البقية، فدفعتها بطرف قلمها.
تحركت البلاطة قليلًا، وسقط خلفها ظرف صغير.
فتحته.
في داخله صورة لطفل يرتدي ملابس المستشفى، وبجوارها ورقة تحمل تاريخًا واسمًا:
«ياسين منصور — نُقل إلى جهة غير معلومة.»
لكن أسفل الورقة كانت هناك جملة أخرى:
«لا تسلّموا الطفل إلى والده.»
تبادلت ليلى وآدم النظرات.
— مين اللي كتب الكلام ده؟ سأل آدم.
قبل أن تجيب، سمعا صوت عم صابر يصرخ من آخر الممر.
ثم دوى صوت ارتطام قوي.
ركضا نحوه، فوجداه ملقى على الأرض، والمفتاح بجواره. كان واعيًا، لكنه يشير بيد مرتجفة إلى نهاية الممر.
— كان هنا... الراجل اللي مات.
— مين؟ سأل آدم.
ابتلع عم صابر ريقه وقال:
— الدكتور نادر.
الفصل الثالث: الشاهد الحي
فتش آدم المبنى، بينما اتصلت ليلى بالإسعاف والشرطة. لم يجد أحدًا في الممر الخلفي، لكن بابًا يؤدي إلى الفناء كان مفتوحًا، وعلى الأرض آثار طين حديثة.
قرب الباب، وجد بطاقة تعريف طبية قديمة.
الدكتور نادر فوزي — مستشفى الروابي العام.
كان تاريخ البطاقة يعود إلى العام الحالي.
حملها آدم إلى الضوء. الصورة باهتة، لكن الوجه واضح بما يكفي ليؤكد أن البطاقة لم تُصنع قبل عقود.
رن هاتفه.
رقم مجهول.
— أيوه؟
جاءه صوت رجل مسن:
— أنت ابن محمود منصور؟
— مين معايا؟
— لو عايز تعرف مين كان في الغرفة رقم 12، تعالى لوحدك إلى محطة القطار القديمة. الساعة اتناشر بالليل.
— إنت الدكتور نادر؟
صمت الرجل لحظة.
ثم قال:
— أنا الشخص اللي وقّع شهادة وفاة ياسين... وأنا الشخص اللي شافه بعد سبعة عشر عامًا.
انقطع الاتصال.
نظر آدم إلى الساعة. كانت الحادية عشرة وعشر دقائق.
لم يخبر ليلى بما سمعه. ترك لها البطاقة والملف، وأوصاها بإبلاغ الشرطة عن الاعتداء على عم صابر، ثم اتجه إلى محطة القطار القديمة.
كانت المحطة مهجورة، لا يصل إليها سوى ضوء مصباح أصفر يتأرجح مع الريح.
في نهاية الرصيف، جلس رجل مسن يرتدي معطفًا رماديًا، ويمسك بعصا خشبية.
اقترب آدم بحذر.
— الدكتور نادر؟
رفع الرجل رأسه.
كان وجهه مطابقًا للصورة الموجودة على البطاقة.
— أبوك كان عارف إنك هتيجي يومًا ما، قال الرجل.
— عايز أعرف الحقيقة. ياسين مات ولا عايش؟
أخرج نادر ظرفًا من جيبه، ومده إليه.
— أنا كتبت إنه مات، مع إني كنت عارف إنه خرج من المستشفى حي. أبوك أجبرني أكتب التقرير، لكن بعد سنين فهمت إن الموضوع أكبر منه ومني.
— مين أخده؟
نظر نادر إلى الظلام خلف آدم.
— الشخص اللي أخده كان…
توقف فجأة، واتسعت عيناه.
— انزل على الأرض!
دوّى صوت طلقة.
سقط نادر على الرصيف، وانطفأ المصباح فوقهما.
اندفع آدم خلف صوت خطوات تهرب بين عربات القطار القديمة، لكنه لم يرَ سوى ظل يختفي خلف السور.
عاد إلى نادر، وضغط بيده على موضع الإصابة محاولًا إيقاف النزيف.
همس الرجل بصعوبة:
— اسمعني... ياسين مش هو الطفل الوحيد اللي اختفى الليلة دي.
— مين الطفل التاني؟
أمسك نادر بذراع آدم، وجذبه نحوه.
— إنت…
توقفت أنفاسه قبل أن يكمل.
وقف آدم مذهولًا. لم يعد يسمع سوى صوت قطار بعيد، رغم أن السكة لم تعد تعمل منذ سنوات.
رن هاتف نادر الذي سقط قرب يده.
ظهرت رسالة جديدة على الشاشة من رقم محفوظ باسم واحد:
«محمود منصور».
فتح آدم الرسالة.
كانت تحتوي على صورة التُقطت قبل دقائق، يظهر فيها آدم جالسًا بجوار نادر على الرصيف.
وتحت الصورة كُتبت عبارة واحدة:
«دلوقتي عرفت ليه أبوك اختارك إنت بالذات؟»
Keep up with Mahmoud Ashraf
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment