في هذا المقال
المشهد الأول: المخطوطة الملعونة
ليلٌ شديد السواد، والرياح تعصف بأشجار قرية مهجورة في أطراف الصحراء. في نهاية الطريق، يقف قصر قديم تحيط به أسوار متصدعة، وتنبعث من نوافذه أضواء حمراء خافتة، رغم أن القصر مهجور منذ أكثر من مئة عام.
داخل القصر، تجلس امرأة عجوز أمام مرآة سوداء، وتكتب بقلم مكسور على صفحات كتاب جلدي قديم.
تتوقف يدها فجأة.
يُسمع صوت طرقات ثلاث على الباب.
العجوز، بصوت مرتجف: «لقد عدت... لكنني لم أستدعك هذه المرة.»
ينفتح الباب ببطء، دون أن يلمسه أحد.
يظهر ظل طويل على الجدار، له قرنان ملتويان وعينان تتوهجان بلون الذهب المحترق.
يأتي صوت عميق من الظلام:
«أنتِ من كتبتِ اسمي، وأنتِ من فتحتِ الباب. والآن... جاء دورك لتدفعي الثمن.»
تسقط العجوز على ركبتيها، ثم تنطفئ جميع المصابيح.
وفي الصباح، يعثر أهل القرية على القصر مفتوحًا، وعلى الأرض كتاب جلدي كُتبت على صفحته الأولى عبارة واحدة:
«من يقرأ هذه الكلمات، يصبح جزءًا من الحكاية.»

المشهد الثاني: العودة إلى القرية
بعد مرور ثلاثين عامًا، تصل فتاة تُدعى ليلى إلى القرية برفقة أخيها الأصغر يوسف، عقب وفاة جدتهما الغامضة.
كانت ليلى في الخامسة والعشرين من عمرها، تعمل صحفية مهتمة بالقصص الغريبة والأساطير القديمة. أما يوسف، فلم يكن يؤمن بالأشباح أو الجن، وكان يسخر دائمًا من حكايات جدتهما عن القصر المهجور.
في منزل الجدة، تعثر ليلى على صندوق خشبي مخبأ أسفل سريرها. كان الصندوق مغلقًا بقفل صدئ، وفوقه ورقة صغيرة كُتب عليها بخط مرتجف:
«إلى ليلى... لا تفتحي الكتاب، مهما سمعتِ صوتي.»
تتبادل ليلى ويوسف النظرات.
يوسف: «جدتنا كانت تخاف من كل شيء. ربما أخفت بعض النقود هنا.»
تفتح ليلى الصندوق، فتجد داخله كتابًا أسود، وقلمًا فضيًا، وصورة قديمة لامرأة تقف أمام القصر، وإلى جانبها رجل لا يظهر وجهه في الصورة.
على ظهر الصورة، كُتبت عبارة:
«ملك الجان لا يموت، بل ينتظر من يتذكره.»
وفجأة، يُسمع صوت طفلة تضحك من داخل إحدى الغرف.
يركض يوسف ليتفقد المكان، لكنه لا يجد أحدًا.
وعندما يعود، يجد الكتاب مفتوحًا على صفحة بيضاء، وقد ظهرت عليها كلمات جديدة:
«وصلتِ أخيرًا يا ليلى.»
المشهد الثالث: القلم الذي يكتب وحده
في منتصف الليل، تستيقظ ليلى على صوت احتكاك غريب قادم من غرفة الجلوس.
تخرج من غرفتها بحذر، فترى القلم الفضي يتحرك فوق الورق وحده، وكأن يدًا غير مرئية تمسك به.
تقترب ببطء.
يكتب القلم:
«لا تثقي بأخيك.»
تتراجع ليلى مذعورة، ثم تسمع صوت يوسف خلفها.
يوسف: «ماذا تفعلين هنا؟»
تلتفت إليه، لكنها تلاحظ شيئًا مرعبًا: ظله على الحائط لا يتحرك مع حركته، بل يقف ساكنًا، محدقًا بها.
ليلى: «يوسف... هل أنت بخير؟»
يوسف، مبتسمًا ابتسامة غريبة: «أنا بخير يا أختي. لكن هل أنتِ متأكدة أنك تعرفين من أنا؟»
تنطفئ الأنوار.
تسمع ليلى خطوات تبتعد في الممر، ثم صوت باب يُغلق بعنف.
وعندما تعود الكهرباء، تجد يوسف نائمًا في غرفته، بينما تظهر على المرآة أمامها جملة مكتوبة باللون الأحمر:
«لقد دخل أحدنا، ولن يخرج الجميع.»
المشهد الرابع: سر الجدة
في اليوم التالي، تذهب ليلى إلى رجل مسن يُدعى الشيخ عمران، كان يعرف جدتها منذ طفولتها.
عندما يرى الكتاب، يتغير لون وجهه، ويرفض لمسه.
عمران: «من أين حصلتِ على هذا؟»
ليلى: «كان في منزل جدتي. أريد أن أعرف ما الذي يحدث.»
يصمت الرجل طويلًا، ثم يقول:
«قبل مئة عام، كانت هذه القرية موطنًا لرجل ادعى أنه يستطيع التحكم في ملوك الجن. لم يكن ساحرًا عاديًا، بل كان يبحث عن سر يمنحه القدرة على تغيير مصائر البشر. وفي ليلة واحدة، اختفى سكان القصر جميعًا، ولم يبقَ سوى كتاب وقلم.»
ليلى: «وما علاقة جدتي بهذا؟»
عمران: «جدتك لم تكن ضحية هذه الحكاية، يا ابنتي. كانت حارسة الباب.»
تتجمد ليلى في مكانها.
عمران: «كانت تحافظ على ختم قديم يمنع شيئًا من العبور إلى عالمنا. لكن الختم انكسر يوم كتبت جدتك اسمك في الكتاب.»
ليلى: «لماذا اسمي؟»
يقترب عمران منها ويهمس:
«لأن ملك الجان اختارك قبل أن تولدي.»
المشهد الخامس: القصر يستيقظ
في تلك الليلة، تختفي ليلى عن الأنظار للحظات، ثم تجد نفسها واقفة أمام القصر المهجور، دون أن تتذكر كيف وصلت إليه.
الباب مفتوح.
تدخل.
تغطي الغبارَ الأرضَ والجدران، لكن الشموع تشتعل واحدة تلو الأخرى كلما تقدمت. وفي نهاية الممر، ترى عشرات الصور المعلقة على الحائط، وجميعها تصور أشخاصًا ماتوا أو اختفوا من القرية.
تجد صورة جدتها، ثم صورة ليوسف، ثم صورة لها هي.
لكن صورتها ليست قديمة.
إنها صورة التُقطت في تلك اللحظة، وتظهر فيها ليلى واقفة أمام القصر، بينما يقف خلفها رجل طويل يرتدي عباءة سوداء.
تلتفت بسرعة.
لا أحد.
يأتي صوت من الطابق العلوي:
«اصعدي يا ابنة الحارسة.»
تبدأ الدرجات الخشبية بالصرير تحت قدميها. وعندما تصل إلى الغرفة الأخيرة، تجد كرسيًا أسود يتوسطها، وأمامه مرآة ضخمة.
في المرآة، لا ترى انعكاسها.
ترى امرأة أخرى تشبهها تمامًا، لكن عينيها سوداوان بالكامل.
المرأة في المرآة: «لقد تأخرتِ كثيرًا.»
ليلى: «من أنتِ؟»
المرأة: «أنا أنتِ... لو أنكِ قبلتِ العرش.»
تتحطم المرآة من الداخل، ويخرج منها صوت ضحكة عميقة تهز القصر بأكمله.
المشهد السادس: الحقيقة المروعة
تستيقظ ليلى في قبو القصر، مقيدة إلى كرسي حجري. وعلى الجدار أمامها، توجد كتابة محفورة بأسماء أشخاص، يتوسطها اسم جدتها.
يظهر الشيخ عمران عند مدخل القبو.
ليلى، باكية: «أنقذني! أخرجني من هنا!»
ينزل عمران الدرج ببطء، وفي يده القلم الفضي.
عمران: «سامحيني يا ليلى. حاولت أن أمنع هذا اليوم، لكنني لم أستطع.»
ليلى: «أنت تعرف كل شيء! أخبرني ماذا يريد مني!»
يضع عمران القلم على الطاولة.
عمران: «الكتاب لا يكتب المستقبل فحسب. إنه يصنعه. وكل شخص يكتب اسمه فيه، يمنح ملك الجان جزءًا من روحه.»
ليلى: «لكنني لم أكتب اسمي!»
عمران: «جدتك فعلت ذلك نيابة عنك، يوم ولدتِ. أرادت أن تحميكِ من الموت، فربطت حياتكِ بالكتاب.»
فجأة، يبدأ القبو بالاهتزاز.
يظهر ظل ضخم خلف عمران، ثم يرتفع عن الأرض كالدخان.
يأتي الصوت العميق:
«كفى حديثًا عن الماضي. لقد حان وقت العهد.»
يستدير عمران، ويركع أمام الظل.
ليلى تنظر إليه بصدمة.
ليلى: «أنت كنت تساعده طوال هذا الوقت؟»
يرفع عمران رأسه، وقد امتلأت عيناه بالسواد.
عمران: «أنا آخر من بقي من خدمه. واليوم سأصبح خالدًا.»
لكن الظل يمد يده، فتظهر شقوق سوداء على جسد عمران، ويسقط أرضًا وهو يصرخ.
الصوت: «لا أحتاج إلى خدم بعد الآن.»
يتقدم الظل نحو ليلى.
«أحتاج فقط إلى الملكة.»
المشهد السابع: ملك الجان
تتحرر قيود ليلى فجأة، ويسقط القلم الفضي أمامها.
تلتقطه، فتظهر على الجدار كلمات جديدة:
«اكتبي الحقيقة، لا الخوف.»
تتذكر كلمات جدتها، وتفهم أن الكتاب يستمد قوته من الأسرار التي يخفيها البشر.
تمسك القلم، وتكتب على الصفحة المفتوحة:
«ملك الجان لم يكن يومًا ملكًا.»
يهتز القصر بعنف.
يصرخ الصوت:
«توقفي!»
تواصل الكتابة:
«لقد كان سجينًا، صنع لنفسه عرشًا من خوف البشر، وأقنعهم أنه لا يُقهر.»
تتصدع الجدران، وتتساقط الحجارة من السقف.
يظهر ملك الجان للمرة الأولى في هيئة واضحة: كائن طويل، يرتدي تاجًا أسود، ووجهه مغطى بقناع عظمي تتوهج خلفه عينان ذهبيتان.
ملك الجان: «أنا أقدم من الموت!»
ليلى، وهي ترتجف: «إذن لماذا تخاف من اسمي؟»
تكتب اسمها كاملًا في الصفحة الأخيرة.
تشتعل صفحات الكتاب، وينطلق ضوء أبيض يبتلع القبو.
يصرخ الملك، ويتشقق تاجه، ثم يتفتت جسده إلى رماد أسود تتطاير ذراته في الهواء.
يسقط القلم من يد ليلى.
ويحل الصمت.
للمرة الأولى منذ مئة عام، يتوقف القصر عن إصدار الأصوات.

المشهد الثامن: النهاية
مع شروق الشمس، تخرج ليلى من القصر، وهي تحمل الكتاب المحترق بين يديها.
تجد يوسف ينتظرها عند البوابة.
يركض نحوها ويحتضنها.
يوسف: «أين كنتِ؟ بحثت عنكِ طوال الليل!»
تبتعد عنه قليلًا، وتتأمل وجهه.
ليلى: «هل أنت حقًا يوسف؟»
يوسف يضحك بحزن: «بالطبع أنا يوسف. هيا، لنعد إلى المنزل.»
يمشيان معًا في الطريق المؤدي إلى القرية.
لكن ليلى تتوقف فجأة، فقد تذكرت شيئًا لم تخبرها به جدتها أبدًا.
تنظر إلى الكتاب.
كل صفحاته احترقت، باستثناء الصفحة الأخيرة.
تفتحها.
تجد عبارة واحدة مكتوبة بخطها، رغم أنها لا تتذكر كتابتها:
«الملك مات، لكن العرش لا يزال ينتظر.»
ترفع رأسها ببطء.
تختفي الشمس خلف سحابة سوداء، وتهب رياح باردة من جهة القصر.
تسمع ليلى صوتًا خافتًا يأتي من خلفها:
«أحسنتِ يا ملكتي.»
تلتفت بسرعة.
لا أحد.
تنظر إلى يوسف، فتجده واقفًا في مكانه، يحدق في القصر بابتسامة غريبة.
يوسف، بصوت ليس صوته تمامًا: «هل أخبرتكِ جدتنا يومًا أن لكل ملك وريثًا؟»
تتراجع ليلى خطوة إلى الوراء.
تتغير ملامح يوسف للحظة، وتلمع عيناه باللون الذهبي نفسه.
ثم يبتسم ويقول:
«انتهت الحكاية الأولى... يا ليلى.»
تسقط الصفحة الأخيرة من يدها، وتحترق قبل أن تلامس الأرض.
تتحول الشاشة إلى اللون الأسود.
ويُسمع صوت قلم يكتب ببطء:
«بقلم ملك الجان...»
ثم تأتي ضحكة مرعبة من أعماق الظلام.
النهاية... أم البداية؟
تابع جديد Lamiaa Harb
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق