في هذا المقال

ورده غيرت حياتى
أنا ليلى، ببيع ورد على ناصية شارع الجامعة، مش عشان محتاجة فلوس، عشان بحب الورد.
أبويا كان عنده محل ورد صغير، وأنا من وأنا طفلة قاعدة وسط ريحته. لما أبويا مات، أمي قالت لي اقفلي المحل، بس أنا رفضت. بقيت أفتحه كل يوم الساعة 7 الصبح، أرش مية، أقص الشوك، وأعمل بوكيهات صغيرة للطلبة.
وكان عندي قاعدة غريبة: مبديش ورد لحد شكله مش بيحبه. كنت بقول "الورد بيزعل لو راح لحد مش مقدره".
في يوم مطر، دخل عليا ولد مبلول كله، شايل شنطة مقطوعة، ونضارته مشبرة.
قال لي: "عايز وردة واحدة بس، بس تكون بتستحمل البهدلة".
بصيت له واستغربت. أول مرة حد يطلب وردة بتستحمل.
قلت له: "مفيش وردة بتستحمل، الورد عايز اللي يستحمله".
قال: "يبقى أنا محتاج وردة تعلمني".
بعدين عرفت إن اسمه آدم. طالب في كلية الفنون، سنة رابعة، مشروع تخرجه متأخر، وبيتخانق مع الدكاترة، وحبيبته سابته من شهرين عشان قالت له "انت فنان فاشل هتفضل فقير".
كان بيعدي كل يوم من قدام محلي، بس عمره ما دخل. المرة دي المطر زنقه.
أنا اديته وردة بلدي صغيرة، لونها أحمر غامق، وقلت له: "دي اسمها عنيدة. بتعيش من غير مية يومين، وريحتها خفيفة بس مبتروحش. خليها جنب لوحتك".
تاني يوم، رجع.
قال: "ماتت".
قلت له: "عشان حطيتها في جيبك، قلت لك حطها جنب لوحتك".
ضحك. ضحكته كانت غريبة، كأنه نسي يضحك بقاله كتير.
بقى يعدي عليا كل يوم. مرة يجيب لي قهوة، مرة يجيب لي رسمة صغيرة على ورقة كراسة. مرة رسم المحل، مرة رسم ايديا وأنا بلف السلوفان.
أنا كنت 26 سنة، وهو 27. الاتنين مكناش بندور على حب. أنا كنت مقتنعة إن الحب بيخلي الست تسيب اللي بتحبه عشان الراجل، وهو كان مقتنع إن الحب بيخلي الراجل يسيب حلمه عشان الست.
اتفقنا من غير كلام إننا نبقى صحاب. صحاب وبس.
لحد ما في يوم، آدم مجاش. يوم، اتنين، تلاتة. أسبوع.
لقيت نفسي ببص على الشارع كل 5 دقايق. الورد بيدبل وأنا مش مركزة.
في اليوم التامن، رحت الكلية. سألت عليه. قالوا لي مشروع تخرجه اترفض، وقاعد في السكن مبيخرجش.
رحت له السكن. خبطت. فتح وهو دقنه طويلة وعينه حمرا.
قلت له: "انت عبيط؟ عشان دكتور قالك رسمك وحش هتموت نفسك؟"
قال: "مش الدكتور، أنا اللي بقيت شايف رسمي وحش".
شدته من ايده: "تعالى".
خدته المحل. قفلت الباب. جبت كل الورد اللي باظ، اللي دبل، اللي اتكسر، وحطيته قدامه على الترابيزة.
قلت له: "شايف ده؟ ده زبالة بالنسبة للناس. بس أنا بعمل منه حاجة اسمها بوكيه الذبول. ببيعه لناس بتحب الحزن الحلو. مفيش وردة وحشة، فيه ايد مش عارفة تمسكها صح".
قعد يرسم الورد الدبلان. رسم 17 رسمة في ليلة واحدة.
تاني يوم، راح بالرسم للدكتور. الدكتور سكت طويل، وبعدين قال: "هو ده الفن. انت كنت بترسم ورد، دلوقتي بقيت بترسم وقت".
مشروعه اتقبل وطلع الأول.
يوم التخرج، آدم مجبش بوكيه كبير زي باقي الطلبة. جاب وردة واحدة بلدي عنيدة، زي أول مرة، واداها لي قدام الكل.
قال: "علمتيني أستحمل".
بعد التخرج، آدم جاله شغل في شركة دعاية بمرتب قليل، ومحلي كان بيخسر. الإيجار غلي.
فكرنا نسيب الحلم. هو يروح يشتغل في القاهرة، وأنا أقفل المحل وأتجوز ابن عمي اللي مستنيني.
في الليلة اللي كنا هنقرر فيها، المطر مطر جامد زي أول يوم. المحل اتملى مية.
قعدنا على الأرض، المية واصلة لركبنا، بنضحك.
قلت له: "خلاص؟"
قال: "خلاص ايه؟ احنا ابتدينا".
جبنا جردل، وفضينا المية، وجبنا خشب ورفعنا الزرع. بتنا في المحل للصبح.
الصبح، صور آدم المحل وهو غرقان والورد طالع من المية، ونزل الصورة على النت وكتب: "محل بيغرق بس لسه بيطلع ورد".
الصورة ضربت. ناس كتير جت تتصور، تشتري، تدعم.
واحدة من الصور شافتها بنت بتشتغل في مجلة كبيرة، كتبت عنا مقال: "الحب اللي بيطلع ورد من المية".
المحل اتشهر. آدم بدأ يبيع رسوماته جوه المحل. بقى المحل نصه ورد ونصه لوحات.
بعد سنة، آدم حوش تمن خاتم صغير، مش غالي، بس عامله على شكل وردة بلدي.
مخدنيش في مطعم غالي. خدني على ناصية الشارع، مكان ما أول مرة شافني، وقال:
"أنا معنديش حاجة كبيرة أقولها. بس أنا عايز أفضل كل يوم أعدي عليكي، حتى لو معنديش فلوس أشتري وردة. تتجوزيني ونغرق سوا كل شتا؟"
عيطت. قلت أيوة.
اتجوزنا في المحل. مفيش قاعة. جبنا كل الورد اللي في المحل وعلقناه في السقف. صحابنا قعدوا على الأرض. أمي زغرطت.
النهاردة، بعد 5 سنين، محلنا بقى محلين. واحد ورد وواحد مرسم. عندنا بنت صغيرة اسمها "ورد" بتحب ترسم على ورق الورد.
كل يوم الصبح، آدم لسه بيجيب وردة واحدة عنيدة ويحطها جنب لوحته، وأنا لسه بقوله: "الورد مش عايز اللي يشتريه، عايز اللي يستحمله".
وهو استحمل، وأنا استحملت، والورد لسه بيطلع.
تابع جديد احمد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق