In this article

جميله بس بخاف
أنا اسمي شهد.
يقولون عني جميلة، ووسيمة، طويلة، شعري أسود طويل، وعيني عسلية، وضحكتي بتسمع من آخر الشارع. لكن لا أحد يعرف أني كنت أخاف من جمالي.
من وأنا صغيرة، كنت البنت التي ينظر إليها الجميع. في المدرسة، في الشارع، في الأفراح. كنت أسمع الهمسات: "ما شاء الله، قمر". كنت أبتسم، لكني من الداخل كنت أشعر أني مجرد وجه، مجرد لوحة يتفرجون عليها ويمشون.
كنت أريد أحداً يرى ما وراء وجهي. يرى قلبي.
حتى جاء هو.
لم يكن مثل باقي الشباب الذين كانوا يحاولون لفت نظري بكلمة أو بنظرة. كان يعمل في المكتبة الصغيرة التي كنت أذهب إليها كل خميس لأستعير رواية. كان هادئاً، يلبس نظارة، وشعره دائماً غير مرتب، وكأنه لا يهتم كيف يبدو.
أول مرة دخلت المكتبة، لم ينظر إلى وجهي حتى. نظر إلى الكتاب الذي في يدي وقال: "اختيار جميل، هذه الرواية حزينة جداً".
اندهشت. كل الناس تنظر لوجهي، وهو نظر لكتابي.
أصبحت أذهب للمكتبة كل يوم، ليس من أجل الكتب، بل من أجله. كنت أتأنق، ألبس أجمل ما عندي، أضع عطري المفضل، وهو لا يزال يعاملني كأي زبونة. يسجل اسم الكتاب ويعطيني إياه بابتسامة عادية.
شعرت بالإهانة في البداية. هل أنا غير جميلة كفاية؟ هل هناك خلل في جمالي؟ ثم فهمت، هو أول شخص لا يرى جمالي كشيء يخيفه أو يبهره، بل يراه شيئاً عادياً، وهذا ما جعلني أحبه.
في يوم ممطر، دخلت المكتبة ولم يكن هناك أحد غيرنا. كنت مبتلة، شعري ملتصق بوجهي، وملابسي تقطر ماء. كنت في أسوأ حالاتي، وكنت متأكدة أني لا أبدو جميلة الآن.
نظرت إليه وضحكت وقلت: "شكلي سيء اليوم، أليس كذلك؟"
رفع نظارته ونظر إلي طويلاً، ثم قال جملة لن أنساها أبداً: "أنتِ الآن أجمل من كل مرة جئتِ فيها، لأنكِ على طبيعتك".
في تلك اللحظة، شعرت بقلبي يسقط. ليس من الخجل، بل من الحب. أحببته. أحببت أنه رأى الجميلة والوسيمة وهي مبتلة وضعيفة وبكى قلبها من الفرح.
بدأنا نتحدث. عرفت أنه يحب الكتابة، لكنه لا يجرؤ على نشر شيء. عرفت أنه وحيد، يعيش مع جدته، ويحلم أن يسافر إلى مكان بعيد يكتب فيه. وحكيت له عن خوفي، عن كوني أخاف أن يحبني أحد لجمالي فقط ثم يمل مني.
قال لي: "الجمال الوسيم مثل جمالك، يا شهد، هو باب، لكن الناس الذكية تدخل من الباب لتبحث عن البيت من الداخل. وأنا أريد أن أرى البيت كله".
منذ ذلك اليوم، أصبحت المكتبة بيتنا. كنا نجلس بعد أن يغلق، نشرب الشاي، يقرأ لي ما يكتب، وأقرأ له ما أحلم به. كنت أشعر أني لأول مرة لست مجرد بنت جميلة، بل بنت مسموعة، بنت مفهومة.
مرت شهور. وفي يوم، جاءت فرصة له للسفر، منحة للكتابة في الخارج. كان حلم حياته. فرحت له، لكن قلبي انكسر. هل سيسافر ويتركني؟
جاءني في المساء، وجهه متردد. قال: "سأسافر".
ابتسمت وقلت: "أعرف، يجب أن تسافر".
قال: "لكنني لا أريد أن أسافر وحدي".
وصمت.
ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة، كانت قصة كتبها عني. عنوانها "شهد الجميلة الوسيمة التي لم تكن تعرف أنها جميلة". قرأ لي آخر سطر فيها: "لم أقع في حب وجهها، بل وقعت في حب الطريقة التي تنظر بها للعالم، فجعلت العالم أجمل".
بكيت. لأول مرة أبكي أمام أحد دون أن أخاف أن تفسد دموعي جمالي.
قلت له: "هل ستعود؟"
قال: "سأعود، لأن الجمال الحقيقي لا يترك".
سافر. سنة كاملة. كنت أذهب للمكتبة كل خميس، أجلس في نفس المكان، أستعير نفس الروايات، وأشم رائحة كتبه. كان يرسل لي رسائل، ورسائل، وقصص يكتبها عني.
عاد قبل أسبوع. عاد وسيماً أكثر، ناضجاً أكثر، وعيناه لا تزال تبحث عني أنا، وليس عن وجهي.
عندما رأيته في المطار، ركضت إليه. لم أهتم بشعري، ولا بفستاني، ولا إن كان شكلي جميلاً. ركضت بقلبي.
ضمني وقال: "ما زلتِ جميلة ووسيمة كما تركتيك، بل أكثر، لأنكِ انتظرتِ".
أنا الآن أجلس بجانبه في المكتبة التي أصبحت مكتبتنا، أكتب قصتي. وهو يكتب قصته. يقول لي دائماً: "يا شهد، جمالك ليس في عينيكِ العسلية، ولا في شعركِ الطويل، جمالك في أنكِ جعلتِ شاباً خجولاً يؤمن أن الحب يمكن أن يرى ما وراء الوجه".
أنا شهد، الجميلة الوسيمة، التي كانت تظن أن جمالها لعنة، حتى جاء من جعل جمالها وطناً يسكن فيه.
Keep up with احمد محمد
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment