في هذا المقال

ليله المطر الاخيره
أنا سارة، عندي 26 سنة، وعندي مكتبة صغيرة ورثتها عن جدي في شارع المعز. مكتبة ريحتها خشب قديم وشاي وقهوة.
وهو.. آدم.
لمدة سنة كاملة، كل يوم الساعة خمسة ونص المغرب، كان بيعدي من قدام المكتبة. ما بيدخلش. بس يبطأ خطوته، يبص من ورا الإزاز، يبتسم لنفسه، ويمشي.
في الأول افتكرته زبون بيتكسف يدخل. بعدين افتكرته واحد بيحب واحدة تانية في الشارع. بعدين فهمت. كان بيبص عليا أنا.
وأنا عنيدة جداً. عمري ما هبدأ أنا. لو عايزني، ادخل.
وفضلنا كده سنة. هو يعدي، وأنا أتظاهر إني برتب الكتب ومش واخدة بالي، مع إني كنت بظبط طرحتي قبل ما يعدي بعشر دقايق.
لحد ما جت ليلة المطر.
كان نوفمبر، والمطر في القاهرة لما بينزل بيغسل كل حاجة. الشارع فاضي، وأنا لوحدي هقفل. فجأة الباب اتفتح جامد، ودخل هو غرقان ميه، شعره بينقط، وبياخد نفسه بالعافية.
قال: "ممكن أستخبى هنا خمس دقايق بس؟ برا غرق."
حاولت أبان باردة. قلت: "المكتبة بتقفل كمان عشر دقايق."
بصلي وضحك، وقال جملة عمري ما هنساها: "عشر دقايق كفاية."
قعد على الكرسي اللي جنب الباب. أنا مكنتش عارفة أعمل إيه. قلبي بيدق لدرجة إني كنت سامعة صوته. والمطر بيخبط في الإزاز.
مرة واحدة قال: "تعرفي، أنا عمري ما قريت كتاب في حياتي."
بصيت له كأنه شتمني. أنا اللي عايشة وسط الكتب؟
كمل ضحك وقال: "بس بقالي سنة بقرا عنوان كتاب واحد كل يوم من ورا الإزاز. اسمه (كيف تتعلمين الانتظار)."
وشي ولع. الكتاب ده أنا اللي حطيته في الواجهة من سنة، بعد ما فسخت خطوبتي. كنت حاطاه عشان أصبّر نفسي.
قلت له بصوت واطي: "واتعلمت؟"
قال وهو بيبص في عيني: "اتعلمت إن في حاجات تستاهل نستناها سنة."
سكتنا. بعدها المطر هدي. قام وقف.
قال: "أنا آدم، نجار، الورشة اللي في آخر الشارع. وكنت بعدي كل يوم عشان... عشان ريحة الكتب حلوة."
كداب. ورشته في أول الشارع مش آخره، وأنا عارفة. بس سكت.
وهو خارج، ساب على الترابيزة حتة خشبة صغيرة منحوتة على شكل قلب، مكتوب عليها بخط مرتعش: "سارة".
تاني يوم، ما عدّاش خمسة ونص. عدّى خمسة.
واليوم اللي بعده أربعة ونص.
بقى يبكر كل يوم نص ساعة. كأنه مبقاش قادر يستنى.
وأنا بقيت أستناه. بقيت أسيب له كل يوم حاجة صغيرة على حرف الشباك. مرة وردة بلدي. مرة ورقة كاتبة عليها بيت شعر لنزار. مرة كوباية شاي بالنعناع.
لحد ما جه يوم وما جاش.
خمسة. خمسة ونص. ستة. سبعة. الشارع ضلمة ومفيش آدم.
أول مرة من سنة أحس إن أنا اللي مستنية. قلقت بجد. قلبي اتقبض.
قفلت المكتبة وجريت لأول مرة أروح ورشته. لقيتها مقفولة. سألت القهوجي اللي جنبه، قالي: "آدم؟ من امبارح في المستشفى، إيده اتعورت في المنشار."
حسيت الدنيا لفت بيا. جريت على مستشفى الحسين. دخلت لقيته نايم على السرير، إيده ملفوفة بشاش أبيض كله دم.
أول ما شافني حاول يقوم يتعدل بسرعة، زي طفل صغير.
عيطت غصب عني. قلت: "يا غبي، ليه مبعتش أي حد يقولي إنك مش جاي؟"
قال بصوت تعبان: "ما أعرفش رقمك. وما أعرفش غير عنوان مكتبتك. وكنت خايف لو ما جيتش النهاردة تفتكري إني بطلت أعدي خلاص."
قعدت جنبه ومسكت إيده السليمة. كانت أول مرة ألمس إيده. كانت خشنة ودافية.
قلت: "تعرف؟ عمري ما تخيلت إني هحب نجار. كنت فاكرة هحب دكتور ولا مهندس لابس بدلة."
ضحك وقال: "وأنا عمري ما تخيلت هحب واحدة بتقرا. كنت فاكرهم كلهم معقدين وبيتكلموا بالعربي الفصحى طول الوقت."
ضحكنا إحنا الاتنين، والممرضة بتبص لنا مستغربة.
ومن ساعتها، المكتبة بقى فيها ركن جديد. ركن خشب صغير عمله هو بإيد واحدة، حطينا فيه كتب عن النجارة والخشب.
والورشة بتاعته بقى فيها ركن جديد. ركن فيه كتاب واحد بس. ما بيقراهوش، بس سايبه جنبه على طول. كتاب اسمه "كيف تتعلمين الانتظار".
وبعد سنة بالظبط، في نفس ليلة المطر، الباب اتفتح تاني. دخل هو، بس المرة دي مش غرقان. كان لابس قميص جديد، وماسك في إيده نفس القلب الخشب، بس المرة دي مكتوب عليه حاجة تانية.
ما قالش "ممكن أستخبى؟"
قال: "ممكن أفضل هنا العمر كله؟"
قلت وأنا بضحك بدموع: "المكتبة بتقفل كمان عشر دقايق."
قال: "عشر دقايق كفاية عشان أقولك إني بحبك. والعمر كله كفاية عشان أثبتهالك."
والمكتبة في اليوم ده مقفلتش. فضلت مفتوحة للصبح.
تابع جديد احمد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق