في هذا المقال

حب في محطه الشهداء
أنا سلمى، 23 سنة، في آخر سنة كلية فنون جميلة، ومشروع التخرج بتاعي كان هيجنني.
المطلوب مننا نرسم جدارية كبيرة في مكان عام في القاهرة، وأنا اخترت محطة مترو الشهداء، عشان زحمة وناس كتير هتشوف شغلي.
الموضوع كان عن "الحياة في القاهرة". فضلت شهر أفكر هرسم إيه، لحد ما قررت أرسم ناس عادية، ست بتبيع خضار، ولد بيبيع مناديل، راجل عجوز بيقرا جرنان، بنت بتجري ورا أتوبيس.
بدأت أرسم، كل يوم أنزل من 8 الصبح لحد 4 العصر، لابسة لبس الشغل كله بوية، وشعري مربوط، ووشي فيه ألوان.
الناس كانت بتقف تتفرج عليا، اللي يقول الله ينور، واللي يقول إيه الشخبطة دي.
وفي وسط الزحمة دي، كان في ولد بييجي كل يوم يتفرج.
عنده بتاع 25 سنة، لابس قميص بسيط، ومعاه كاميرا قديمة، واقف بعيد ومش بيتكلم، بس بيصور.
في الأول افتكرته متطفل، وكنت بتضايق. بس بعد أسبوع، لقيته جايب لي إزازة مية ساقعة في عز الحر ويقول لي: "شكلك تعبتي، خدي دي".
قلت له شكراً. قال لي: "أنا يوسف، بصور فوتوغرافيا، وبعمل مشروع تخرج برضه عن الحياة في القاهرة، فبصورك وانتي بترسمي الحياة".
ضحكت وقلت له: "يعني بتصور واحدة بتصور الحياة؟"
قال: "بالظبط، انتي بترسميها وأنا بوثقها".
من اليوم ده، بقى يوسف جزء من يومي.
يجي يقعد جنبي على الرصيف، يحكيلي عن الصور، وأنا أحكيله عن الألوان. يعلمني إزاي أشوف النور في الصورة، وأنا أعلمه إزاي يخلط الألوان عشان يطلع لون القاهرة اللي هو تراب ودهب في نفس الوقت.
اكتشفت إنه خريج تجارة، بس ساب شغل البنك عشان بيحب التصوير، وأهله مش راضيين عنه وشايفينه بيضيع مستقبله.
وأنا حكيت له إني خايفة مشروعي يفشل، وإني مش موهوبة كفاية.
بقينا سند لبعض. كل يوم الساعة 12 يجيب لي كشري من الراجل اللي في المحطة، وناكل سوا ونضحك على الناس اللي بتجري تلحق المترو.
وفي يوم، وأنا برسم جزء صعب، إيدي كانت بتترعش، والرسمة مش راضية تظبط. اتعصبت ومسحت حتة كبيرة، وقعدت أعيط وسط المحطة والناس كلها بتبص.
يوسف مقالش كلام محفوظ. جاب الكاميرا وصورني وأنا معيطة ووشي كله بوية وقال لي: "بصي، حتى وانتي معيطة انتي حلوة، وحتى والرسمة بايظة هي حقيقية، سيبيها بايظة، الحياة مش مظبوطة بالمسترة".
الجملة دي فوقتني. سبت الحتة الممسوحة زي ما هي، وكملت عليها، وطلعت أحلى حتة في الجدارية، عشان باين فيها إني تعبت.
يوم التسليم، الدكاترة جم يشوفوا الجدارية، وانبهروا بيها. قالوا إنها أكتر جدارية حقيقية شافوها، عشان فيها روح القاهرة بجد.
وأنا واقفة مبسوطة، لقيت يوسف جاي ومعاه ظرف كبير.
فتحته، لقيت فيه 30 صورة مطبوعة ليا، من أول يوم بدأت فيه الرسم لحد ما خلصت. أنا وانا مركزة، وأنا بضحك، وأنا معيطة، وأنا نايمة على الرصيف من التعب، وأنا مليانة ألوان.
وآخر صورة كانت للجدارية وهي خلصانة، ومكتوب تحتها بخط إيده: "الفنانة وهي تصنع الحياة".
عيطت تاني.
قال لي: "أنا قدمت الصور دي في مسابقة تصوير كبيرة، وكسبت المركز الأول، وقالوا لي إني لازم أسافر إيطاليا أعمل معرض. بس أنا مش هسافر إلا لو انتي موافقة تيجي معايا، كمساعدة فنانة، كـ... كحبيبتي".
اتصدمت. قلت له: "انت بتحبني؟"
قال: "أنا حبيتك من أول مرة شوفتك وانتي بتتخانقي مع بتاع الأمن عشان عايزة ترسمي حتة أكبر، من أول إزازة مية".
كنت خايفة، خايفة من السفر، من الحب، من المستقبل. بس بصيت على الجدارية، على الست بتاعة الخضار والولد بتاع المناديل، حسيت إن القاهرة كلها بتقولي وافقي.
قلت له: "موافقة، بس بشرط، ترسمني وأنا أرسمك".
ضحك وقال موافق.
النهاردة، بعد 6 شهور، أنا ويوسف في إيطاليا، عاملين معرض مشترك اسمه "القاهرة: لون ونور". أنا عارضة رسوماتي وهو عارض صوره، وأكبر صورة في المعرض هي صورتي وأنا برسم في محطة الشهداء، والناس في إيطاليا واقفة تتفرج على بنت مصرية بترسم الحياة في مترو زحمة.
ويوسف كل يوم بيصورني صورة جديدة، وبيقول لي: "دي عشان لما نرجع القاهرة، نعلقها في نفس المحطة اللي اتقابلنا فيها".
وأنا عرفت إن الحب مش لازم ييجي في كافيه شيك ولا سينما، ممكن ييجي في محطة مترو، وانتي وشك كله بوية، ومع واحد معاه كاميرا قديمة وإزازة مية ساقعة.
تابع جديد احمد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق