في هذا المقال

كان بيجى المكتبه مخصوص ليه
أنا مريم، 26 سنة، من القاهرة، بشتغل في مكتبة كبيرة في وسط البلد.
المكتبة دي قديمة، ريحتها ورق وخشب، وزباينها قليلين. معظمهم طلبة بيجوا يذاكروا عشان الهدوء.
بقالي سنتين بشتغل هناك، حافظة كل كتاب فين، وحافظة كل زبون بيحب يقرا إيه.
لحد ما من 8 شهور، بقى في زبون جديد.
ولد في أواخر العشرينات، بيجي كل يوم الساعة 4 العصر بالظبط، يقعد في نفس الترابيزة اللي جنب الشباك، ويطلب قهوة سادة ويفتح اللابتوب بتاعه.
مكنش بيقرا كتب. كان بيكتب. بيكتب كتير أوي، وساعات يمسح اللي كتبه ويبدأ من الأول.
كان لابس على طول تيشيرت أسود، وشعره طويل شوية، ودقنه خفيفة، وعلى طول حاطط سماعة واحدة بس في ودنه والتانية سايبها برا، كأنه عايز يسمع اللي بيحصل حواليه.
سميته في دماغي "بتاع الساعة 4".
في الأول مكنتش مركزة معاه، بس بعد شهر، بقيت أستناه. الساعة تيجي 3:55 أبص على الباب. لو اتأخر 5 دقايق، أقلق.
كان بيبص لي ويبتسم ابتسامة خفيفة ويقول: "قهوة سادة لو سمحتي". نفس الجملة كل يوم.
في مرة، الفضول قتلني. وأنا بقدم له القهوة، لمحت اللي بيكتبه على اللابتوب. كان عنوان كبير: "رواية - الفصل الأخير".
سألته: "انت كاتب؟"
اتفاجئ إني اتكلمت. قال: "بحاول أبقى كاتب".
قلت له: "بتكتب عن إيه؟"
قال: "عن بنت بتشتغل في مكتبة وبتحب ريحة الورق القديم".
حسيت وشي احمر. قلت له: "بتتريق؟"
قال: "لا والله، انتي ملهمتي. بقالي شهور بكتب عنك وانتي مش واخدة بالك".
من اليوم ده، القهوة السادة بقى معاها كلام.
كل يوم يقعد يحكيلي هو كتب إيه، وأنا أحكيله عن الزباين المجنونة اللي بتيجي المكتبة. عرفت إنه اسمه آدم، 29 سنة، كان مهندس وساب الهندسة عشان يكتب، وأهله مش موافقين، وهو عايش لوحده وبيحاول يخلص أول رواية ليه.
بقيت أقرا اللي بيكتبه. كان بيكتب حلو أوي. كان كاتب عني تفاصيل أنا نفسي نسيتها. إني لما بتوتر بلعب في الخاتم بتاعي، وإني بحب أقعد على الأرض بين الرفوف لما المكتبة تبقى فاضية.
حبيته. من غير ما أحس. حبيت إني بطلة رواية حد.
لحد ما في يوم، مجاش.
الساعة 4 بقت 4 وربع، 4 ونص، 5. مفيش.
قلت عادي، عنده ظرف.
تاني يوم مجاش. تالت يوم مجاش. أسبوع كامل الترابيزة اللي جنب الشباك فاضية.
كنت بتجنن. كل شوية أبص على الباب. الزباين بتسألني مالك.
بعد 10 أيام، كنت بنضف الترابيزة بتاعته، لقيت ورقة صغيرة تحت اللابتوب بتاعه كان ناسيها. مكتوب فيها بخط إيده: "لو في يوم مجيتش، اعرفي إني خلصت الرواية، وخلصت شجاعتي".
مفهمتش.
فضلت مستنياه شهر. شهر كامل كل يوم الساعة 4 أعمل قهوتين، واحدة ليا وواحدة ليه، واسيبها تبرد.
لحد ما صاحبة المكتبة قالت لي إن في ناشر كبير هيعمل حفلة توقيع في المكتبة لكتاب جديد.
يوم الحفلة، المكتبة زحمة، وناس كتير. وأنا واقفة أرتب الكتب، سمعت صوت أعرفه.
كان هو. آدم. لابس قميص أبيض لأول مرة، واقف بيوقع كتب.
جريت عليه. قلت له: "انت فين؟ اختفيت ليه؟"
بص لي وابتسم نفس الابتسامة وقال: "خلصت الرواية".
ورفع الكتاب اللي بيوقعه. كان اسمه "بتاعة المكتبة".
الغلاف كان رسمة بنت قاعدة على الأرض وسط الكتب، شبهي بالظبط.
قال لي قدام الناس كلها: "أنا كنت كل يوم باجي المكتبة مش عشان أكتب، كنت باجي عشان أشوفك. وكنت خايف أقولك إني بحبك، فكتبت لك رواية كاملة بدل ما أقولها. لو مجيتش تاني، فده عشان كنت مستني آجي المرة الجاية وأنا معايا سبب يخليني أستاهلك. الرواية دي ليكي".
الناس كلها سقفت. وأنا عيطت.
فتح الكتاب وكتب لي إهداء: "إلى مريم، التي علمتني أن الحب ليس فصلاً أخيراً، بل هو المكتبة كلها".
النهاردة، روايته بقت من أكتر الكتب مبيعاً، وأنا لسه بشتغل في نفس المكتبة، بس دلوقتي الترابيزة اللي جنب الشباك بقى عليها يافطة صغيرة مكتوب عليها "محجوزة - للكاتب وملهمته"، وهو كل يوم بيجي الساعة 4، بس المرة دي بيطلب قهوتين، واحدة سادة ليه، وواحدة بلبن ليا، ونقعد نكتب سوا الفصل الجديد بتاعنا.
تابع جديد احمد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق