في هذا المقال
ما تركته لي أمس
الفصل التاسع: ممر الفحم
.لم يكن في الغرفة ٤٧ باب آخر. هكذا ظنت
جرّها الأستاذ إلى الركن البعيد، وأزاح السرير بقدمه بلا جهد من اعتاد، ثم رفع لوحًا خشبياً مثبتاً في الأرضية.
.تحته فتحة سوداء مربعة تفوح منها رائحة الفحم القديم
».كان هذا مدخل مدفأة العمارة قبل أن يلُغى«، قال. »ادخلي. ثلاثون خطوة على الأربع. ثم يرتفع الممر«
زحفت. الصندوق على صدرها يخدش رسغيها، والجدران الضيقة تلامس كتفيها. وراءها سمعت اللوح يعُاد إلى.مكانه، ثم خطوات الأستاذ تلحق بها على الأرض
.لماذا تساعدني؟« همست وهي تزحف«
ً
».لأنني أخطأت في حق أخيك. وأردت أن أصلح خطأً واحداً قبل أن أموت«
»ما الذي فعله أخي؟«
.تردد، وسمعت أنفاسه في العتمة
كنتُ مشرفه في المعهد. عملنا على مشروع اسمه »المرساة«. فكرته بسيطة: أن تمُحى ذكرى واحدة«محددة من دماغ إنسان، دون المساس بغيرها، ودون أن يترك ذلك أثرًا. أخوك كان العبقري. أنا كنت الصوت».الذي يوقعّ على الأوراق
وصلت إلى نهاية الممر. لوح آخر. دفعته بكتفها فانفتح على غرفة صغيرة مليئة بالبطانيات
المطوية والصابون.وروائح مغسل قديم
»ما فائدة ذكرى واحدة محذوفة؟«
.جلس الأستاذ على صندوق خشبي، وأشعل ضوء هاتفه
لا فائدة في محوها. الفائدة في ما تخُفيه. أخوكِ لم يصنع المرساة ليحمي الناس من الألم. صنعها ليخبئّ شيئاً«».في رأس أحدهم، حيث لا يستطيع أحد أن يستخرجه إلا صاحبه
.رنّ هاتفها
:نظرت إلى الشاشة. لم يكن الاسم ليلى هذه المرة. كان اسمًا لم يظهر على هاتفها منذ أحد عشر شهرًا
سامر
»…لا تجيبي«، قال الأستاذ بصوت متغير. »إنه«
.كانت قد أجابت
ليلى؟« جاء الصوت. صوت أخيها بالضبط، بتلك الغنةّ الخفيفة في حرف السين. »ليلى، أنا حيّ. اسمعيني.«».الأستاذ إلياس هو من أخذني. هو لا يريد أن ينقذكِ. هو يريد أن يعرف أين الطفل. اركضي. الآن
.الطفل
.لم تقل لأحد كلمة »طفل«. لم تذكر الصورة، ولا الصندوق، ولا سطرها المكتوب بخطها: سيتألم من يسأل
.رفعت عينيها إلى الأستاذ. كان ينظر إليها بوجه من تلقى حكمًا
».هذا تسجيل مركبّ«، قال بصوت أجش. »صوته صُنع من خطبته في عرسكما. كلمة بكلمة. أقسم لكِ«
»لماذا لم تقل لي إن هناك طفلاً؟«
».لأنني لا أعرف عنه شيئاً«
.ولم تعرف إن كان هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يكذب فيه، أم الشيء الوحيد الذي كذب فيه
الفصل
العاشر: الرقم الذي لا تريد أن تكتبه.وضعت الصندوق الحديدي على الأرض بينها وبين الرجل، وجلست أمامه
.أربع خانات. صفر إلى تسعة في كل خانة. عشرة آلاف احتمال
»الرقم الذي لا تريدين أن تكتبيه«، قرأت بصوت عالٍ ما كتبته لنفسها. »ماذا يعني ذلك؟«
».أنتِ التي كتبتِ ذلك«، قال الأستاذ. »لا أنا«
جرّبت تاريخ ميلادها. أقفل. تاريخ ميلاد سامر. أقفل. اليوم الذي أعلنت فيه الشرطة إغلاق البحث عنه. لم.يتحرك القفل
».ثلاث محاولات خاطئة، وتتعطل اللوحة«، قال الأستاذ. »هكذا قالت لي المرة الماضية«
»أيّ مرة؟«
.لم يجب
أخرجت الصورة التي وجدتها تحت الصندوق، وقلبتها. المرأة التي تشبهها. البوابة. الطفل النائم. على معصمه.سوار مستشفى صغير، بالكاد تظهر عليه أرقام بيضاء على الورق. اقتربت من ضوء الهاتف
٠٣١٧.
.لا تريدين أن تكتبيه. هذا هو الرقم الذي لا تريد يدها أن تكتبه، لأنها تعرف ما يعنيه حتى حين لا تعرف
ضغطت الأرقام الأربعة. اهتزت اللوحة. ثم انفتح الغطاء بصوت نقرة خفيفة، كأن شيئاً في الداخل كان ينتظر.هذه اللحظة منذ شهور
:في الصندوق: حذاء طفل صغير بلون أصفر باهت. وبطاقة ذاكرة سوداء. وظرف أبيض عليه بخطها
.لليلى التي ستفتح هذا
:فتحته. سطر واحد، وتحته توقيع باسمها
هذا ابنكِ يوسف. حيّ. وأنتِ من طلبتِ أن تنسيه، لأن من ينساه لا يستطيع أحد أن يستخرجه منه. لا أستطيع.أن أخبرك أين هو، لأنكِ ستخبرينهم
:قلبت الورقة، وفي ظهرها سطر آخر، بخط مرتجف
.الرجل الذي بجانبك الآن يقول الحقيقة في كل شيء إلا في أمر واحد. اعرفي أي أمر، قبل أن تعطيه البطاقة
.رفعت رأسها ببطء
كان الأستاذ إلياس قد تقدمّ نحوها نصف خطوة، ويده مفتوحة، كأنه يطلب الشيء الوحيد الذي يريده منذ.البداية
تابع جديد Mohamed Osama
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق