في هذا المقال
ما تركته لي أمس
الفصل الخامس عشر: بوابة الصورة
.لم يتكلم أحد بين الميناء ومحطة الوقود التي توقفت السيارة عندها
نزلت ليلى وحدها. وقفت على الرصيف المبلول بالمطر الذي لم تلاحظ أنه بدأ، وأخرجت الصورة من جيبها،.الصورة التي وجدتها تحت الصندوق: المرأة التي تشبهها، والطفل النائم في ذراعيها، والبوابة خلفهما
.أخذت تنظر إلى الخلفية. للمرة الأولى نظرت إليها وحدها دون الوجهين
بوابة حديدية عالية، عليها سيخ ملتوٍ على شكل نجمة. وفوقها لافتة نصف مطموسة بالصدأ، لا يقُرأ منها سوىالحرف الأخير من كلمة واحدة. وخلف البوابة، في عمق الصورة، مبنى بلون الطين، بنوافذ ضيقة مغلقة.بألواح خشبية
.ليلى«، جاء صوت الأستاذ خلفها، منخفضًا«
».أنت تعرفه«، قالت دون أن تلتفت. »هذا المكان«
».لا«
».وجهك يقول شيئاً آخر«
.صمت
هذا مستشفى الجمارك القديم«، قال أخيرًا. »في آخر الرصيف الشمالي. أغُلق قبل ثلاثين سنة. لكنني لم«».أخبرك به، ولم أخبر نفسي به، ولا أعرف لماذا ثقلت قدماي حين نطق السائق كلمة ميناء
».أنت الذي قلت للسائق ميناء«
».وأنا الذي لا أعرف لماذا قلتها«
مشت ليلى بضع خطوات حتى آخر الرصيف. وراء الضباب، على بعد مئتي متر تقريباً، ظهر شيء. ظهرت أولاً.نجمة حديدية ملتوية فوق بوابة مغلقة، ثم اللافتة، ثم المبنى الطيني
لم تكن في حاجة إلى الاقتراب لتعرف أن الصورة التقُطت هنا. وأن المرأة التي في الصورة هي هي. وأن.الطفل النائم في ذراعيها كان ينام بين يديها، لا بين يدي أحد سواها
اقتربت قليلاً حتى استطاعت قراءة اللافتة. كان الحرف الأخير في الكلمة المطموسة هو حرف الميم، وتحته:بالأحمر الباهت، كأنه كتُب أخيرًا وعلى عجل
٤٧
وفي تلك اللحظة، من خلف الباب الحديدي، من خلف الألواح الخشبية على النوافذ، ارتفع صوت لا يمكن أنيكون إلا صوتاً واحداً في العالم: بكاء طفل صغير، متقطع، أجش، كمن يبكي منذ ساعات ولا يتوقع أن يسمعه.أحد
الفصل السادس عشر: بكاءبلا فم.ركضت
سمعت الأستاذ ينادي باسمها، لكن البكاء كان أقرب من صوته. وصلت إلى البوابة الحديدية في دقيقة،.فوجدت سلسلة غليظة معلقّة بين مصراعيها. سلسلة جديدة، لامعة، عمرها أسابيع لا سنوات. والقفل مفتوح
.دفعت المصراع. صرّ
داخل المبنى كان الظلام رطباً يفوح برائحة المطهرّات
القديمة وطلاء الجدران المتقشر. ممر طويل، على.جانبيه أبواب خشبية، ينتهي بقاعة واسعة. والبكاء يأتي من هناك، متقطعاً، يرتفع ويخفت بإيقاع غريب
دخلت القاعة. صفّان من أسرّة الأطفال الحديدية، أغلبها مفككّ، مغطى بالغبار. وفي آخر القاعة سرير واحد.نظيف، بملاءة بيضاء، تتدلى منه كرة صوف صفراء
.اقتربت. ومدتّ يدها المرتجفة نحو الغطاء
لا طفل. على الفراش جهاز أسود صغير، بحجم الكف، يصدر بكاءً، ثم يصمت ثلاث ثوانٍ، ثم يعيد البكاء نفسه،.بالتنهيدة
نفسها في آخره
.مكبرّ صوت
».هذا فخ«، قال الأستاذ وهو يدخل بأنفاس متقطعة. »قلت لكِ«
».أنت لم تقل شيئاً«
».كنتُ أحاول«
على طاولة التمريض قرب الباب دفتر ضخم مغلق بشريط مطاطي. فتحته. صفحات مقسّمة إلى أعمدة:
أسماء، أرقام، تواريخ. أرقام من ١ إلى ٥٠، كل رقم يقابله اسم بحرف واحد، وتحته وصف قصير: أنثى، ٣٣،
تم.المحو. ذكر، ٤١،
تم المحو
.عند الرقم ٤٦: ر. إلياس — ذاتي
:وعند الرقم ٤٧، خُط بحبر مختلف، بخط مسرع
.الموضوع ٤٧: يوسف. ذكر. ١٤ شهرا. نقُل بتاريخ ٠٣١٧ إلى عهدة د. إلياس رفعت
.أغلقت الدفتر بعنف
.الأستاذ، خلفها، لم يقل شيئاً. لكنها سمعت أنفاسه تنقطع
تابع جديد Mohamed Osama
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق