في هذا المقال

ما تركته لي أمس
الفصل التاسع عشر: ما في الكيس
.لم يرفع سامر المسدس. لكن الدكتورة رانيا رأت يده في الجيب، وابتسامتها لم تتزحزح
أخوكِ يا ليلى لم يصنع سلاحًا ولا دواءً«، قالت وهي تدور حول السرير. »صنع شيئاً أخطر من الاثنين: عكس«المرساة. مركبّ يعيد كل ذاكرة محيت، كاملة، سليمة، بتفاصيلها. أحد عشر شهرًا من حياتكِ. وثلاثون سنة».من حياة الأستاذ. وحياة خمسين شخصًا محوا لأن ما رأوه كان يجب ألا يرُى
».أنتم من محوتموهم«
».نحن ورثنا المعهد بعد أن مضى الذين محوهم. نريد المركبّ لنحميه، لا لنستعمله«
».تريدون أن تحرقوه«، قال سامر بصوت منخفض. »هذا ما تسمّينه حماية«
نظرت ليلى إلى الكيس الورقي في يد أخيها. الكيس الذي كان يحمله كل خميس. الذي رأته في أول الصباح.أمام الباب، حين تمنتّ لو تفتحه، ثم قالت لها نفسها ألا تفتح
»ماذا في الكيس يا سامر؟«
.بلع ريقه
قهوة«، قال. »بن. من النوع الذي كنتِ تحبين. حمّصته بنفسي، وخلطته بالمركبّ. كنتُ أريدكِ أن تشربيه كل«أسبوع، قليلاً قليلاً، حتى يتراكم في دمك ما يعيدك إليكِ دون أن يلاحظ أحد. لكنهم يغيرّون القهوة كل صباح».قبل أن أصل
القهوة. في كل صباح، قهوتان: واحدة يصنعها الأطباء ليفتحوا بها ما أغُلق، وواحدة يتركها سامر لتفتح ما أغُلق.بطريقة أخرى. وهي كانت بينهما، تستيقظ على رائحة لا تعرف من صنعها
.كفى«، قالت رانيا، وأشارت بإصبعها إلى الحارسين«
.رفعا مسدسيهما في الوقت نفسه. ورفع سامر يده من الجيب، فارغة، ببطء
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد. تقدمّ الأستاذ إلياس خطوتين نحو الدكتورة،
وفتح الزجاجة بإبهامه، وشرب ما فيها.دفعة واحدة
الفصل العشرون: الأمل
.مرّت ثانيتان من صمت لا يحُتمل
ثم أغمض الأستاذ عينيه، وترنحّ، وأمسكته ليلى قبل أن يسقط. رأته يرتجف كأن أحداً يمزق شيئاً في رأسه.
»…وفمه يتمتم بكلمات متقطعة بلا ترتيب: »الغسيل… النار… ثلاثة وسبعة عشر… أنا… أنا أخذته
»أين؟« قالت رانيا وقد فقدت هدوءها فجأة. »أين أخذته يا إلياس؟«
فتح عينيه. كانتا مبللتين. نظر إلى ليلى، ثم إلى الدكتورة، ثم قال بصوت واضح وهادئ، كمن ينطق رقم
:حساب
».المخبز. مخبز النور، خلف السوق القديم«
لكن ليلى، التي كان رأسها على بعد شبر من فمه، رأت ما لم تره رانيا: ارتعاش خفيف في جفنه الأيمن.
.الجفن نفسه الذي ارتجف حين سألته عن المفتاح. حين يكذب
.أشارت رانيا للحارسين بحركة سريعة، وانطلقوا إلى الخارج
».مخبز النور؟« قال سامر بفم يابس. »ليس هناك طفل«
بلى، يوجد«، قالت رانيا وهي تتجه إلى الباب. »سنرى.« ثم التفتت ورمت إليهم نظرة أخيرة، لا حقد فيها ولا«».غضب، بل ما يشبه الارتياح. »شكرًا لكِ يا ليلى. أحسنتِ
.وغادرت
:بعد ثلاث ثوانٍ فقط، انحنى الأستاذ نحو أذن ليلى وهمس بكلمات بالكاد سُمعت
».مغسل الأمل. السلة التي في الركن. تحت الشراشف«
ركضوا، ثلاثتهم، في الاتجاه المعاكس. من الباب الخلفي، ثم عبر الرصيف، ثم في الأزقة التي حفظها سامرعن ظهر قلب. وصلوا إلى مغسل الأمل في اثنتي عشرة دقيقة لاهثة. الباب الأمامي مفتوح نصف فتحة. وفي.الداخل، الحاجة صفية جالسة على كرسيها، تدخن بهدوء، كأن شيئاً لم يحدث
.ظننتكم لن تعودوا«، قالت«
تجاوزتها ليلى إلى الركن. وجدت السلة الكبيرة من الخوص، مغطاة بكومة من الشراشف البيضاء. أزاحتها.بيدين مرتعشتين
تحت الشراشف، ملفوفاً ببطانية خضراء زيتية قاتمة، كان طفل نائم، بخديّن محمرّين وقبضة صغيرة.مضمومة على كرة صوف صفراء
لم تعرف كيف سقطت على ركبتيها. لم تعرف كيف اختنق صوتها. كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: أنها تعرف.هذا الوجه. تعرفه في كل خلية من جسدها، رغم أن ذاكرتها لا تملك له اسمًا
.ثم رنّ هاتفها في جيب معطفها
.لم تنظر إلى الشاشة. كانت تعرف مسبقًا ما ستقرؤه. رفعته إلى أذنها وهي تحدقّ في الطفل النائم
أحسنتِ يا ليلى«، قال الصوت الذي يشبهها، بنبرة فيها ارتياح لا يشبه ارتياحها.
»شكرًا لأنكِ حملتِ الهاتف«.معكِ طوال الوقت. نحن على بعد دقيقتين
تابع جديد Mohamed Osama
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق