In this article
أنا اسمي سعيد، سواق ميكروباص على خط الواحات - 6 أكتوبر بقالي 8 سنين. الطريق ده بالنهار عادي، لكن بالليل حاجة تانية خالص. طريق طويل ومقطوع، مفيهوش نور ولا خدمات، والشبكة بتقطع بالساعات. كل السواقين القدام عارفين القانون: ما تقفش لحد بعد الساعة 12، مهما كان.
من شهر بالظبط، كنت راجع فاضي من الواحات الساعة واحدة وربع بعد نص الليل. الجو كان برد، والشبورة نازلة تقيلة. مشغل قرآن بصوت واطي ومركز في الطريق. عند الكيلو 70، الحتة اللي بنسميها "الملف الميت" عشان حصلت فيه حوادث كتير، لمحت على يمين الطريق ست كبيرة لابسة اسود، شايلة طفل صغير ملفوف ببطانية سودا وبتشاور بإيدها.
عقلي قالي ما تقفش، بس قلبي وجعني، قلت ست كبيرة وطفل في البرد ده؟ حرام. هديت ووقفت. فتحت الباب الجرار.
الست طلعت من غير ولا كلمة، ريحتها كانت تراب مبلول، ريحة مدافن. قعدت في الكرسي اللي ورايا مباشرة، الكرسي اللي السواقين بيسموه "كرسي الميت" عشان محدش بيحبه. الطفل كان نايم ووشه مدفون في كتفها.
قلتلها: رايحة فين يا حاجة؟ مردتش. سألتها تاني: نازلة أكتوبر ولا فين؟ برضه سكوت. قلت خلاص شكلها خرسا ولا تعبانة.
بصيت في مراية الصالون عشان أشوف الطفل، ولما عيني جت في عينها في المراية، اتجمدت. عنيها كانت مفتوحة على الآخر، بيضا تماماً مفيهاش نني، وبتبصلي بصة كلها حقد. وبعدين الطفل اتحرك. البطانية وقعت من على وشه، وشفت وشه.. ما كانش وش طفل، كان وش راجل عجوز مكرمش، بيضحك ضحكة من غير صوت.
صرخت ودست فرامل بكل قوتي، الميكروباص لف نص لفة وكاد يتقلب. لما ثبت العربية وبصيت ورايا وأنا بنهج وعرقي نازل، الكرسي كان فاضي. فاضي تماماً، لكنه كان غرقان مية سودا ريحتها لا تطاق، وعلى إزاز الشباك من جوه كان فيه آثار كفوف صغيرة وكبيرة كأنهم كانوا بيحاولوا يخرجوا.
نزلت من العربية ووقعت على ركبي في نص الأسفلت، أدور حواليا، ما لقيتش حد، بس مكان ما كانت واقفة الست، لقيت فردة شبشب بلاستيك صغير مقاس طفل، وفردة شبشب ست مقطوع، الاثنين مدفونين نصهم في الأسفلت كأنهم طالعين منه.
تاني يوم رحت لموقف السواقين وحكيت لعم ربيع أقدم سواق على الخط. وشه اصفر وقالي: "قابلت أم خميس.. دي ماتت هي وابنها خميس في حادثة أتوبيس الواحات سنة 2012، الأتوبيس اتقلب وولع، وما لقوش غير شباشبهم. كل خميس بالليل بتطلع تدور على حد يروحها".
من ساعتها وأنا ما بسوقش بالليل أبداً. ولو اضطريت، ببص في المراية كل ثانية، لأني عارف إنها لسه مستنياني عند الكيلو 70.

بعد اللي حصل بطلت أسوق بالليل فعلاً. بقيت آخد وردية الصبح بس، من 6 الصبح لـ 6 المغرب. وقلت الحمد لله خلصت.
لحد ما من أسبوع، ابني الصغير مروان اللي عنده 5 سنين، سخن بالليل الساعة 1، حرارته 40. مراتي قالتلي لازم مستشفى حالاً، ومفيش ولا توكتوك في الواحات في الوقت ده. اضطررت آخد الميكروباص بتاعي وأطلع بيه.
وأنا سايق وابني بيعيط ورا من السخونية، ومراتي شايلاه، عديت من نفس الحتة.. الكيلو 70. غصب عني هديت، وقلبي بيدق.
وما لقيتهاش. ما كانش فيه حد. خدت نفسي وقلت الحمد لله.
بس لما بصيت في مراية الصالون عشان أطمن على ابني، لقيت الكرسي اللي ورايا مش فاضي. الست قاعدة، ونفس النظرة البيضا، والطفل اللي وش راجل عجوز قاعد على رجلها، والمرة دي كانوا هما الاتنين بيبصوا على ابني مروان وبيضحكوا.
مراتي صرخت: "مين الست دي ركبت امتى؟!".. هي شافتها!
دوست بنزين على الآخر وما وقفتش إلا قدام المستشفى في أكتوبر. لما فتحت الباب عشان ننزل، لقيت على الكرسي اللي كانت قاعدة عليه.. بطانية سودا صغيرة مبلولة، وجواها فردة شبشب ابني مروان اللي كان لابسها في البيت.
ابني خف الحمد لله تاني يوم، بس من ساعتها وهو بيصحى كل خميس الساعة واحدة وربع بالليل، نفس معاد ما شفتها، ويروح يقف قدام الشباك ويشاور على الطريق ويقول: "الست عايزاني ألعب مع ابنها".
وأنا كل خميس بقيت أربط شباك الأوضة بجنزير من جوه.
Keep up with Medo Yasser
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment