في هذا المقال
البيت اللي بيتبني لوحده
أنا مقاول في قرية جنب المنيا، بنبني بيوت طوب وخرسانة. من سنة جالنا شغل غريب.
راجل غني من القاهرة اشترى حتة أرض في آخر البلد، جنب المقابر، وقال عايز يبني عليها فيلا كبيرة دورين. الأرض رخيصة عشان الناس بتقول إنها أرض ملعونة، كان عليها بيت قديم واتهدم لوحده.
بدأنا الشغل. أول يومين كل حاجة تمام. تالت يوم، جينا الصبح لقينا الحيطة اللي بنيناها امبارح مهدودة، والطوب مرصوص جنب بعضه كأنه حد فكه طوبة طوبة.
قلنا عيال بتلعب. بنيناها تاني.
تاني يوم جينا لقيناها مهدودة تاني، بس المرة دي الطوب مرصوص على شكل أوضة كاملة، أوضة ما كانتش في الرسمة أصلاً. أوضة صغيرة مقفولة من الأربع حيطان، ملهاش باب.
العمال خافوا. قلتلهم سيبوا الأوضة دي وابنوا حواليها.
في اليوم الرابع، وأنا بقيس الحديد، سمعت صوت حد بيبني جوه الأوضة المقفولة. صوت طوب بيترص ومونة بتتقلب. قربت ودني من فتحة صغيرة بين الطوب، سمعت نفس واحد بيتنفس بصعوبة وبيقول: "سيبوا بيتي".
جريت وندهت العمال وكسرنا حيطة من حيطان الأوضة. جواها ما كانش فيه حد، بس كان فيه عضم. هيكل عظمي كامل لإنسان قاعد ومربع، وجنبه طوب ومسطرين قديم متآكل.
فهمنا. البيت القديم اللي اتهدم، كان فيه عامل مدفون تحته من زمان، مات وهو بيبني والسقف وقع عليه، وأهله ما لقوش جثته.
صاحب الأرض لما عرف قال: "كملوا البيت، والعضم ده ارموه في أي حتة". قلتله لا، ده حرام.
جبنا شيخ من البلد، وقرينا قرآن، ولمينا العضم في كفن أبيض ودفناه في المقابر اللي جنب الأرض، وكتبنا عليه: "عامل مجهول مات وهو يبني".

تاني يوم جينا نكمل الشغل، لقينا الأوضة الصغيرة مهدودة لوحدها، ومكانها شجرة صغيرة طالعة من الأرض، بتكبر بسرعة غريبة، وورقها عليه آثار إيدين صغيرة من طين.
من ساعتها والفيلا واقفة لحد النهاردة، نص مبنية ونص لا. صاحبها هرب وما رجعش. والشجرة بقت كبيرة، وكل اللي يعدي من جنبها بالليل يسمع صوت مسطرين بيخبط على طوب، كأن حد لسه بيبني بيته اللي ما كملش.
بعد ما دفنا العضم، قلت خلاص الموضوع خلص والشجرة دي حاجة عادية. بس الليل ما كانش عادي.
بقيت كل ما أنام أحلم إني في نفس الأرض، والهيكل العظمي اللي لقيناه قاعد بيبني الأوضة طوبة طوبة، وكل ما يحط طوبة يبصلي ويقول: "ساعدني أكمل بيتي".
صحيت مفزوع، وبقيت أروح الأرض كل يوم الصبح بدري لوحدي أشوف الشجرة. الشجرة كانت بتكبر كل يوم متر تقريباً، وده مستحيل. وفي أسبوع واحد بقت شجرة كبيرة جداً، فروعها نازلة على شكل سقف أوضة.
وفي اليوم السابع، لقيت تحت الشجرة مسطرين جديد، لامع كأنه لسه طالع من المصنع، وجنبه ورقة قديمة مكتوبة بخط إيد: "يا ولدي أنا الحاج رمضان، بنيت بيتي هنا سنة 1972 ووقعت عليا السقف ومراتي وعيالي فكروني هربت. كمل بيتي عشان روحي ترتاح، وابنيه لعيالي".
خدت الورقة وروحت سألت في البلد عن حاج رمضان. ست عجوزة عندها 90 سنة قالتلي: "آه، رمضان البنا، مات من 50 سنة وهو بيبني أوضة لعياله، ومراته باعت الأرض بعدها وهجت".
رجعت للأرض وقررت أكمل الأوضة. بنيتها لوحدي، على مقاس الشجرة بالظبط، طوبة طوبة، وحطيت فيها سرير صغير وشباك.
أول ما خلصت آخر طوبة، الشجرة كل ورقها وقع مرة واحدة، وسمعت صوت راجل عجوز بيضحك من جوه الأوضة وبيقول: "الله يباركلك يا ولدي".
ومن ساعتها والأوضة دي موجودة لحد النهاردة في آخر البلد، الناس بتسميها "أوضة رمضان". أي حد غريب يبات فيها ليلة، بيصحى يلاقي نفسه نايم تحت الشجرة، والأوضة فاضية، وفيها ريحة مونة جديدة كأن حد لسه بيبني فيها.
تابع جديد Medo Yasser
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق