في هذا المقال
القطار الذي يصل في الساعة 3:33
لم يكن يوسف يؤمن بالحكايات الغريبة التي يتناقلها سكان قريته، لكنه كان يحب اكتشاف الأماكن المهجورة وتصويرها. وفي إحدى الليالي، أخبره صديقه عن محطة قطار قديمة تقع خارج المدينة، وأكد له أن قطارًا يظهر هناك كل ليلة في الساعة الثالثة وثلاث وثلاثين دقيقة، رغم أن المحطة مغلقة منذ أكثر من عشرين عامًا.
ضحك يوسف وقال:
“أكيد حد بيعمل مقلب في الناس.”
لكن صديقه لم يضحك.
قال له بصوت منخفض:
“الناس اللي ركبته قبل كده رجعوا مختلفين، وفي ناس محدش شافها تاني.”
لم يهتم يوسف بالتحذير، وقرر الذهاب إلى المحطة في الليلة التالية.
وصل قبل منتصف الليل بقليل. كانت المحطة مهجورة تمامًا، والمقاعد مغطاة بالأتربة، وساعة كبيرة معلقة فوق شباك التذاكر متوقفة عند الثالثة وثلاث وثلاثين دقيقة.
جلس يوسف وأخرج هاتفه لتسجيل فيديو.
مرت الساعة الواحدة.
ثم الثانية.
لم يحدث شيء.
وعندما اقتربت الساعة من الثالثة والنصف، سمع صوت صفارة قطار قادمة من بعيد.
رفع رأسه بسرعة.
ظهرت أضواء قوية وسط الضباب، وبدأ القطار يقترب ببطء حتى توقف أمام الرصيف.
كانت عرباته قديمة، ونوافذه مظلمة، ولم يكن هناك سائق ظاهر في المقدمة.
فُتح أحد الأبواب وحده.
وعلى الرغم من خوفه، اقترب يوسف وصعد إلى الداخل.
كانت المفاجأة أن القطار لم يكن فارغًا.
جلس بداخله عدد من الركاب يرتدون ملابس قديمة، وكل واحد منهم ينظر إلى الأمام دون أن يتحدث.
جلس يوسف بجوار النافذة.
بعد لحظات، جلس رجل مسن أمامه.
نظر إليه الرجل وقال:
“أخيرًا وصلت يا يوسف.”
تغير وجه يوسف.
“إنت تعرف اسمي منين؟”
ابتسم الرجل ولم يجب.
تحرك القطار.
نظر يوسف من النافذة، لكنه لم يرَ المدينة أو الأشجار التي مر بها في طريقه إلى المحطة.
كان كل شيء خارج القطار مظلمًا.
أخرج هاتفه ليتصل بصديقه، لكنه وجد أن الساعة توقفت، والشاشة تعرض رسالة غريبة:
“الوجهة التالية: المحطة الأخيرة.”
رفع عينيه وسأل الرجل المسن:
“إحنا رايحين فين؟”
أجاب الرجل:
“للمكان اللي كل واحد فينا نسيه.”
لم يفهم يوسف كلامه.
بعد دقائق، مر القطار بجوار محطة صغيرة، وكان هناك طفل يقف على الرصيف ويحمل حقيبة مدرسية.
رفع الطفل يده ولوّح ليوسف.
تجمد يوسف.
كان الطفل يشبهه تمامًا عندما كان صغيرًا.
اقترب من النافذة، لكن الرجل المسن أمسك بذراعه وقال:
“متبصش بره كتير، مش كل اللي هتشوفه حقيقي.”
ابتعد يوسف وسأله:
“إنت مين؟”
أجاب الرجل:
“أنا كنت مكانك من سنين.”
وقبل أن يسأله يوسف أي سؤال آخر، انطفأت الأنوار للحظات.
وعندما عادت، اكتشف أن جميع المقاعد أصبحت فارغة.
لم يبقَ سوى الرجل المسن.
قال يوسف بصوت مرتجف:
“فين الركاب؟”
أجاب الرجل:
“نزلوا.”
“إمتى؟ أنا مشفتش حد بينزل!”
نظر الرجل إلى النافذة وقال:
“إنت مشغول بالأسئلة الكتير.”
فجأة، بدأ مكبر الصوت الموجود أعلى القطار يعمل.
جاء صوت امرأة:
“الراكب يوسف، برجاء الاستعداد للنزول في المحطة التالية.”
وقف يوسف بسرعة.
“أنا عايز أنزل دلوقتي!”
قال الرجل:
“مفيش رجوع قبل المحطة الأخيرة.”
بدأ القطار يبطئ.
ظهرت محطة أمامه، وكانت تشبه تمامًا محطة القرية التي دخل منها، لكن هناك اختلافًا واحدًا.
كانت مليئة بصور قديمة معلقة على الجدران.
اقترب يوسف من النافذة.
ورأى صورة له.
كانت صورته التي التقطها قبل ساعات أمام المحطة المهجورة.
وتحتها تاريخ يعود إلى عشرين عامًا في الماضي!
صرخ يوسف:
“إيه اللي بيحصل؟”
لم يجب الرجل.
ثم قال بهدوء:
“انزل هنا، يمكن تلاقي الإجابة.”
توقف القطار.
فتح الباب.
نزل يوسف إلى الرصيف، فوجد المحطة خالية تمامًا.
كان هناك مكتب صغير مضاء في نهايته.
دخل المكتب.
وجد موظفًا يجلس خلف النافذة، يكتب في دفتر قديم.
قال يوسف:
“لو سمحت، أنا عايز أرجع.”
رفع الموظف رأسه ببطء.
ثم نظر إلى الدفتر وقال:
“اسمك يوسف؟”
أجاب:
“أيوه.”
قلب الموظف عدة صفحات، ثم توقف.
قال:
“غريب.”
سأله يوسف:
“في إيه؟”
أشار الموظف إلى الصفحة.
كان اسم يوسف مكتوبًا بالفعل، وبجواره تاريخ تلك الليلة.
لكن أسفل اسمه كانت هناك جملة:
“الراكب الذي لن يجد طريق العودة.”
تراجع يوسف.
“مين كتب الكلام ده؟”
أغلق الموظف الدفتر وقال:
“القطار بيختار ركابه بنفسه.”
خرج يوسف مسرعًا من المكتب.
كان القطار ما زال واقفًا.
ركض نحوه وصعد إلى العربة الأخيرة.
وجد مقعدًا فارغًا، وبجواره حقيبة صغيرة.
فتح الحقيبة.
وجد بداخلها صورة قديمة للرجل المسن الذي قابله في القطار.
قلب الصورة.
كانت مكتوبة عليها جملة:
“آخر رحلة لي كانت منذ عشرين عامًا.”
وفجأة، سمع صوتًا خلفه.
“لقيت اللي بتدور عليه؟”
استدار.
كان الرجل المسن واقفًا أمامه.
لكن هذه المرة لم تكن ملامحه هادئة.
قال يوسف:
“إنت مش راكب عادي، صح؟”
ابتسم الرجل.
“أنا آخر شخص حاول يعرف سر القطار.”
ثم أشار إلى النافذة.
نظر يوسف إلى الخارج، فرأى المحطة الأصلية.
كانت الشمس تشرق.
والأغرب أنه رأى نفسه واقفًا على الرصيف، ممسكًا بهاتفه، وكأنه لم يركب القطار من الأساس.
صرخ يوسف ونظر إلى الرجل.
قال الرجل:
“اختار بسرعة، هتفضل هنا ولا هتنزل؟”
ركض يوسف نحو الباب وقفز إلى الرصيف.
فتح عينيه.
كان مستلقيًا أمام المحطة القديمة.
الشمس مشرقة، وهاتفه بجواره.
نهض بسرعة، وركض نحو سيارته، وعاد إلى المنزل.
حاول أن يقنع نفسه أنه نام داخل المحطة وحلم بكل شيء.
لكن عندما وصل، وجد شيئًا غريبًا.
كانت هناك تذكرة قطار داخل جيبه.
أخرجها.
قرأ البيانات المكتوبة عليها.
الاسم: يوسف.
الرحلة: 3:33.
التاريخ: الليلة التالية.
والوجهة:
المحطة الأخيرة.
شعر يوسف بالخوف وألقى التذكرة في سلة المهملات.
لكنه في منتصف الليل استيقظ على صوت هاتفه.
كانت هناك رسالة من رقم مجهول:
“شكرًا لأنك ركبت معنا الليلة الماضية.”
ثم وصلت رسالة ثانية:
“لكن رحلتك لم تنتهِ بعد.”
وفي اللحظة نفسها، سمع صفارة قطار قادمة من بعيد.
نظر إلى الساعة.
كانت الثالثة وثلاثًا وثلاثين دقيقة.
ثم سمع صوتًا من خلف باب غرفته:
“يوسف… القطار وصل.”
ومنذ تلك الليلة، يقول سكان القرية إنهم يسمعون صفارة قطار كل يوم عند الساعة 3:33، رغم اختفاء القضبان والمحطة منذ سنوات.
أما يوسف، فلم يعد أحد يعرف عنه شيئًا.
لكن أغرب ما في الحكاية أن محطة القطار القديمة ظهرت في صورة التقطها أحد المسافرين بعد اختفائه، وكان على الرصيف شخص يقف وحيدًا ويحمل تذكرة.
كان ذلك الشخص يشبه يوسف تمامًا.
وتحت الصورة ظهرت عبارة لم يعرف أحد من كتبها:
“القطار لا يتأخر أبدًا… لكنه لا يعيد جميع ركابه.
تابع جديد Hafsa
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق