حين نبض القلب لأول مره
الفصل الثاني (نظرة أولى)
تلاقت أعينهما لثوانٍ…
ثوانٍ قليلة… لكنها كانت كفيلة بإحداث شيءٍ غريب.
يوسف لم يعرف لماذا لم يستطع أن يُبعد نظره فورًا، كأن هناك خيطًا غير مرئي يشده نحوها.
أما سلمى… فتجمدت في مكانها.
نفس الشعور.
نفس القلق.
ونفس السؤال الذي لم تجد له إجابة:
“هو… ده؟”
قطعت صوت المُدرسة عبر مكبر الصوت هذا الصمت المشحون، فعاد كلٌ منهما إلى مكانه، لكن دون أن يعود كما كان.
يوسف مرر يده على شعره بتوتر، محاولًا تجاهل ما حدث.
“أنا مالي؟ مجرد بنت عادية…”
لكنه لم يقتنع.
على الجانب الآخر، كانت سلمى تحاول التركيز في الطابور، لكن عقلها كان في مكانٍ آخر تمامًا.
“ليه حاسة إني شفته قبل كده؟”
انتهى الطابور، وبدأ الطلاب في التحرك نحو الفصول.
دخل يوسف الفصل، وألقى بحقيبته على المقعد، ثم جلس وهو يخرج هاتفه دون وعي.
فتح المحادثة مرة أخرى.
لا شيء.
تنهد بضيق، وكاد أن يغلق الهاتف…
لكن فجأة—
اهتز الهاتف في يده.
إشعار جديد.
نفس الرقم.
تجمّد للحظة، ثم فتح الرسالة بسرعة.
“شُفتها؟”
اتسعت عيناه.
“شفت مين؟”
كتبها فورًا، دون تفكير.
ثوانٍ…
وجاء الرد.
“اللي كانت بتبصلك.”
شعر ببرودة تسري في أطرافه.
رفع رأسه ببطء، ونظر حوله داخل الفصل…
لا أحد يهتم به.
الكل مشغول في حديثه.
“إنت فين؟”
كتبها بارتباك.
لكن لم يصله رد.
في نفس اللحظة…
في فصلٍ آخر…
كانت سلمى تجلس، ويدها لا تزال ممسكة بالهاتف.
هي الأخرى وصلتها رسالة.
من نفس الرقم.
“شُفتيه؟”
شهقت بخفوت، ونظرت حولها بسرعة.
“إنت تقصد مين؟”
كتبت، وقلبها بدأ يخفق بعنف.
الرد جاء أسرع مما توقعت:
“اللي كان باصصلك في الطابور.”
وضعت يدها على فمها، تحاول استيعاب ما يحدث.
“إنت بتراقبنا؟!”
لا رد.
لكن بعد ثوانٍ…
وصلت رسالة جديدة.
“مش أنا.”
ساد صمت ثقيل.
كأن الجملة نفسها تحمل ما هو أخطر من الإجابة.
مرّت الحصة الأولى ببطءٍ شديد على الاثنين.
لا تركيز… لا فهم… فقط أفكار متداخلة.
وفي الفسحة…
خرج يوسف إلى الفناء، وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا.
لكنه لم يكن كذلك.
عيناه كانتا تبحثان عنها وسط الزحام.
وفجأة—
رآها.
نفس الفتاة.
تقف وحدها نسبيًا، تمسك هاتفها، وتنظر حولها بنفس التوتر.
تردّد للحظة…
ثم قرر.
بدأ يتقدم نحوها.
خطوة… ثم أخرى.
قلبه يدق أسرع مع كل اقتراب.
على الجانب الآخر، رفعت سلمى رأسها—
ورأته يقترب.
تسارعت أنفاسها.
“هو جايلي؟”
تجمدت في مكانها.
حتى وقف أمامها مباشرة.
صمت قصير مرّ بينهما…
ثم قال يوسف، بصوتٍ متردد لكنه واضح:
“إنتِ… وصلك رسالة امبارح؟”
اتسعت عيناها.
لم تنكر.
لم تسأل كيف عرف.
فقط ردت بصوتٍ يكاد يكون همسًا:
“آه… وإنت كمان؟”
نظر كلٌ منهما للآخر، وكأنهما تأكدا أخيرًا—
إنهم مش لوحدهم في الموضوع ده.
أخرج يوسف هاتفه، وفتح الرسالة، وورّاه لها.
سلمى عملت نفس الشيء.
تطابق.
نفس الرقم.
نفس الأسلوب.
وقبل أن ينطق أيٌ منهما—
اهتز الهاتفان في نفس اللحظة.
نفس التوقيت.
نفس الرقم.
فتحا الرسالة… معًا.
“كويس إنكم اتقابلتوا… لأن اللي جاي مش هينفع تواجهوه لوحدكم.”
شعر يوسف أن دقات قلبه توقفت للحظة.
وسلمى بلعت ريقها بصعوبة.
ثم جاءت الرسالة الثانية فورًا—
“بصّوا وراكم.”
تجمّد الاثنان.
ببطءٍ شديد…
استدارا.
لم يكن هناك أحد قريب بشكلٍ مريب…
إلا شيء واحد.
شخص يقف بعيدًا، عند سور المدرسة.
ثابت.
لا يتحرك.
يرتدي ملابس داكنة… ووجهه غير واضح.
لكن الأغرب—
أنه كان ينظر إليهما مباشرة.
وفجأة…
رفع يده ببطء.
وأشار نحوهما.
ثم…
اختفى.
كأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
شهقت سلمى:
“إنت شُفته؟!”
يوسف لم يرد فورًا…
كان لا يزال ينظر إلى المكان الفارغ.
ثم قال بصوتٍ منخفض، مشدود:
“آه…”
وسكت لحظة، قبل أن يكمل:
“وده… مش هزار.”
وفي نفس اللحظة—
وصلت رسالة جديدة.
“دي كانت البداية بس.”