حين نبض القلب لأول مره
الفصل الأول (رسالة مجهولة)
في مساءٍ هادئٍ يكاد يخلو من أي حدث يُذكر، كان يوسف جالسًا في غرفته، يُقلّب هاتفه المحمول بلا هدف، كعادته في الأيام التي تسبق بداية الدراسة.
سكونٌ ثقيل يملأ المكان، لا يقطعه سوى ضوء الشاشة الذي ينعكس على ملامحه الشاردة.
لم يكن في الأمر ما يستحق الانتباه… حتى ظهر الإشعار.
رسالة جديدة من رقمٍ مجهول.
توقّف يوسف لثوانٍ، قبل أن يفتحها بدافع الفضول.
"متتأخرش بكرة… أنا هستناك."
انعقد حاجباه، واعتدل في جلسته.
"مين ده؟"
تمتم بها بصوتٍ منخفض، ثم أعاد النظ
ر إلى الرقم، وكأنه يتوقع أن يتذكره فجأة… لكن دون جدوى.
بدأ يكتب سريعًا:
"مين؟"
ضغط إرسال… وانتظر.
مرّت لحظات، ولم يصله أي رد.
كتب مرة أخرى:
"قصدك إيه بكرة؟"
لكن الصمت ظل كما هو.
ورغم بساطة الرسالة… إلا أن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إلى داخله.
لم تكن مجرد مزحة عابرة… كان هناك شيء غير مريح في الطريقة.
كأن المرسل… يعرفه.
في صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف على صوت والدته التي كانت توقظه كعادتها، لكن هذه المرة بنبرة أكثر استعجالًا.
"يوسف! قوم بقى، هتتأخر على أول يوم!"
فتح عينيه ببطء، ولا يزال أثر النوم واضحًا عليه.
"صحيت خلاص يا ماما…"
قالها وهو يعتدل في سريره، لكن ذهنه كان منشغلًا بشيءٍ آخر.
الرسالة.
جلس إلى مائدة الإفطار، وما زال صامتًا على غير عادته.
لاحظت والدته ذلك، فقالت:
"مالك ساكت كده ليه؟"
تردد قليلًا، ثم سأل:
"هو حد سأل عليا امبارح؟"
نظرت إليه باستغراب:
"لا يا حبيبي… في إيه؟"
هز رأسه بخفة:
"لا مفيش… عادي."
لكنه لم يكن عاديًا.
في الطريق إلى المدرسة، كان يسير بخطواتٍ بطيئة، وعيناه شاردتان في المارة من حوله، كأنه يبحث عن وجهٍ بعينه دون أن يدري.
حاول إقناع نفسه بأنها مزحة من أحد أصدقائه…
لكن شيئًا داخله كان يرفض هذا التفسير.
وصل إلى بوابة المدرسة، وتوقف للحظة.
شعور غامض سيطر عليه…
كأن هذا المكان، في هذا اليوم تحديدًا، يحمل له شيئًا مختلفًا.
في الجهة الأخرى…
كانت سلمى تقف على بُعد خطواتٍ من البوابة، ممسكةً بهاتفها بقوة.
أعادت قراءة الرسالة للمرة التي لا تعرف عددها:
“متتأخرش بكرة… أنا هستناك.”
عضّت شفتها بتوتر، ثم تمتمت:
“يعني إيه الكلام ده بس…”
فتحت المحادثة، وكتبت:
“إنت مين؟”
لكن، كما حدث مع يوسف… لم يصلها أي رد.
رفعت نظرها نحو المدرسة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، محاولةً تهدئة نفسها.
“خلاص… أكيد هزار سخيف وخلاص.”
لكنها لم تكن مقتنعة.
بدأ الطابور الصباحي، واصطفّ الطلاب في أماكنهم، بينما تعالت الأصوات من كل جانب.
وسط هذا الضجيج، كان يوسف يقف في صفه، ينظر حوله بلا تركيز، وكأنه ينتظر شيئًا غير محدد.
وفي لحظةٍ عابرة…
وقعت عيناه عليها.
فتاة تقف على مسافة ليست بعيدة، تبدو متوترة، تنظر حولها بنفس القلق الذي يشعر به.