حارس الوقت الأخير(الفصل السادس)
الفصل السادس: مطاردة التثبيت
لم تصل خيوط التثبيت إلى أوران دفعة واحدة.
بل جاءت كفجرٍ بارد.
خيط أزرق رفيع ظهر أولًا عند الأفق، مستقيمًا على نحوٍ غير طبيعي، لا يهتز، لا يتردّد. خلفه خيوط أخرى، تتكاثر بصمت، تمتد عبر السماء المتغيّرة، تشقّ الألوان المتبدّلة بخطوط صارمة.
كانت المدينة ترتجف.
لم يكن ارتجاف خوف، بل مقاومة غريزية.
المباني التي اعتادت الظهور والاختفاء بدأت تثبت قسرًا في شكل واحد. الشوارع المتكررة توقّفت عن التكرار. الوجوه التي كانت تتبدّل أعمارها توقفت عند لحظة واحدة… واحتُجزت فيها.
قالت لين بصوت منخفض:
بدأوا.
وقف سِراج في ساحة البرج المكسور، والبلّورة في يده تنبض بسرعة.
كان يشعر بخيوط التثبيت كما لو كانت تمتد داخل صدره هو.
إنهم لا يمحون المدينة،
قال.
إنهم يجمّدونها.
أومأت لين.
التثبيت الأعظم لا يُبيد… بل يختار نسخة واحدة، ويقتل كل الاحتمالات الأخرى.
في السماء، انفتحت دوائر زرقاء، ومنها هبط ثلاثة حرّاس.
لم يأتوا كغزاة غاضبين، بل كجراحين.
وجوههم باردة، أعينهم مضيئة بخطوط زمنية مستقيمة.
لم يحملوا أسلحة، بل أدوات ضبط: حلقات، عصي، ومرايا تعكس المستقبل في صورة واحدة فقط.
تقدّم أحدهم خطوة.
كان نيرفال.
لم يتغير.
أو ربما ازداد صفاءً، كأن الانقسام حرّره من التردّد.
سِراج.
قالها دون غضب.
عد معنا.
لم يكن عرضًا حقيقيًا.
وأوران؟
سأل سِراج.
سيتم تثبيتها.
اختيار أفضل احتمال قابل للاستمرار.
البقية… تشويش.
نظرت لين إلى سِراج.
في عينيها سؤال لا يُقال:
هل كنت تعرف أن هذا سيحدث؟
أخذ سِراج نفسًا عميقًا.
هذه المدينة ليست تشويشًا.
إنها دليل.
رفع نيرفال عصاه.
دليل على ماذا؟
على أن الزمن لا يريد نسخة واحدة من نفسه.
في تلك اللحظة، أطلقت خيوط التثبيت موجة زرقاء اجتاحت أطراف المدينة.
تحولت مبانٍ كاملة إلى أشكال ثابتة، اختفت الطبقات الشفافة، سُحقت النسخ المتعددة في نسخة واحدة صامتة.
صرخة خافتة ارتفعت من جهة بعيدة.
التفت سِراج.
طفل كان يتبدّل عمره بين لحظة وأخرى… أصبح الآن في هيئة واحدة، لكنه بلا حركة.
كأنه صورة.
شعر سِراج بالغضب يتصاعد.
ليس ضد نيرفال…
بل ضد الفكرة نفسها.
ركض.
اندفع نحو مركز الساحة، حيث يتقاطع أقوى تيار زمني في أوران.
البلّورة في يده توهّجت بلون الاحتمال، لون لم يكن أزرق ولا ذهبي، بل مزيجًا حيًّا.
صرخ نيرفال:
لا تفعل!
لكن سِراج غرس البلّورة في أرض الساحة.
اهتزّ الهواء.
انشقّت الأرض بخط متعرّج، ليس ككسر، بل كابتسامة غير مستقيمة.
انفجرت من الشق موجة متعددة الألوان، اصطدمت بالخيوط الزرقاء.
لم تنكسر الخيوط.
بل… بدأت ترتعش.
نظر الحرّاس الثلاثة إلى بعضهم.
لم يكن هذا في السجلات.
لين أمسكت بيد سِراج.
أنت لا تقاومهم فقط،
قالت بدهشة.
أنت تفتح مسارًا جديدًا.
في السماء، بدأ خط التثبيت الأعظم يتشقق.
ليس انهيارًا كاملاً… بل تفرّعًا.
خط مستقيم أصبح خطّين.
ثم ثلاثة.
نيرفال شدّ قبضته.
أنت لا تفهم ما تفعله.
إذا تفرّع التثبيت… سيتفرّع البرج نفسه.
إذًا ليتفرّع،
ردّ سِراج بصوت ثابت.
اندفع أحد الحرّاس نحوه، مستخدمًا مرآة المستقبل.
انعكست فيها صورة سِراج…
واقفًا وحيدًا وسط أنقاض كل الأزمنة، بعد أن فشلت محاولته.
تردّد قلبه لحظة.
رأت لين الصورة أيضًا.
لا تنظر،
همست.
هم يختارون أسوأ احتمال ليخيفوك.
أغمض سِراج عينيه.
استمع بدلًا من أن يرى.
سمع همس الزمن.
ليس صوتًا محددًا… بل طبقات من احتمالات تتداخل.
ثم فهم.
لم يكن مطلوبًا منه أن ينتصر.
بل أن يسمح بالانقسام.
فتح عينيه، ورفع يده نحو الخيوط الزرقاء.
لستُ عدوّكم،
قال موجّهًا حديثه إلى الحرّاس.
أنا فقط أرفض أن يكون هناك احتمال واحد.
في تلك اللحظة، انفجرت البلّورة.
ليس تحطّمًا…
بل تحوّلًا.
تحوّلت إلى شبكة من خطوط مضيئة، امتدت عبر المدينة، تشابكت مع خيوط التثبيت، وأجبرتها على الانحناء بدل الكسر.
سقط أحد الحرّاس على ركبتيه.
الضغط الزمني أصبح غير مستقر.
نيرفال نظر إلى السماء المتشققة، ثم إلى سِراج.
لقد بدأت شيئًا لا يمكن إيقافه.
أعرف.
تراجعت خيوط التثبيت ببطء، لا كمن هُزم، بل كمن يعيد الحسابات.
اختفت الدوائر الزرقاء في السماء.
وساد صمت ثقيل.
لكن أوران لم تعد كما كانت.
لم تعد مدينة ملغاة،
ولا مدينة ثابتة.
أصبحت مدينة متفرّعة.
مستقبلها لم يُحسم،
ولم يُمحَ.
اقتربت لين من الشقّ في الأرض.
كان لا يزال ينبض.
ماذا فعلت؟
سألت.
نظر سِراج إلى يده الفارغة حيث كانت البلّورة.
لم أعد حارسًا.
قال بهدوء.
أصبحت… نقطة انقسام.
في الأفق البعيد،
اهتزّ برج الساعات.
الانقسام لم يبقَ في أوران.
لقد وصل إلى المصدر.
والمطاردة…
لم تنتهِ.
بل تغيّر اتجاهها.