عماد الحق نهاية مغامرة الجبل
نهاية مغامرة الجبل
بداية الجزء الخامس
وما إن جلس عمادُ الحق إلى المائدة، حتى سمع خَطْبَ أقدامٍ خفيفةٍ قادمةٍ من أعلى الدَّرَج القائم في صدر المكان. وما لبث أن رفع بصره، حتى أطلت أمامه امرأةٌ فاتنةُ الحُسن، يخلب جمالُها ألبابَ من يراها، فعلم لِهَيْئتها أنها من نساءِ الجن. فاستشعر القلق يسري في أوصاله، فنهض من موضعه. فظنّت هي أنه قد فزع منها، فقالت بصوتٍ رخيم:
«لا تخف مني يا ابن آدم، فإن ملكَ الملوك قد أرسلني لأكون في خدمتك. أنا جَنّى، بنتُ ملك الملوك شدّاد.»
لكنّ عمادَ الحق ما إن سمع اسم شدّاد، حتى تذكّر أن شدّاد لا يطيق دخول تلك الدار، وأن كلَّ من فيها أعداؤه، إلا من كان سجيناً بين جدرانها. فعلم أن قولها كذبٌ، لأن جُلماروث قد أخبره أن جَنّى، أختَ أبيه، هي الحارسةُ على سجنه.
فحدّق فيها ثم قال:
«وما فعلتِ بأصحابي؟ وكيف وصلتُ أنا إلى هذه الدار؟»
فقالت وهي تخفي ما استطاعت من مكر:
«لقد أرسلني إليك أبي، لأستعيد الخاتم الذي بحوزتك، على أن أعطيك عوضه ما تشاء من الكنوز.»
عندها دبّت الحيلة في قلب عماد الحق، إذ أدرك أنها لا تعلم ما دار بينه وبين أبيها، فقال متعمداً:
«لا رغبة لي في الكنوز، وإنما أريد قمقماً قديماً من النحاس، مقابل أن أُسلّمك الخاتم.»
كان يقصد القمقم المسحور وسجن فيه كسان
فتعجّبت وقالت:
«أمن أجل قمقمٍ من نحاس تترك ما لا يخطر ببال من كنوز؟»
فأجاب بثبات:
«هذا ما أريده، وإلا فلن تحصلي على الخاتم مهما كان.»
وما إن فرغ من كلامه حتى تغيرت هيئتها تغيرًا هائلًا؛ فتحوّلت من صبيةٍ فاتنة الجمال إلى مخلوقٍ بشعٍ تتقزّز منه الأبصار. أخذ جسدها يتضخّم، وأطلقت صرخة مدوية ارتجفت لها الأرض تحت قدميه كأن زلزالًا قد دبَّ في أرجائها. وكانت تصيح وهي تهدر غضبًا:
«لقد جئتُ لأجلك… فإن لم تنزع الخاتم الآن!»
فقال لها بثبات:
«لن أنزعه إلا إذا جئتِ لي بما طلبتُ.»
فصرخت ثانية:
«إن أصحابك سيهلكون قبلك إن لم تُعطني خاتم أبي!»
في تلك اللحظة وجد عمادُ الحق نفسه أمام خيارٍ مرير:
إمّا أن يفي بوعد شداد فيحصل على علاج أمّه،
وإمّا أن ينجو أصحابه الذين كان بينهم منذر، ذلك الذي ما تركه يومًا يواجه خطرًا وحيدًا.
وتذكّر كذلك أنه قد عاهد جُلماروث، ثم عاهد شدّاد، على ألّا ينزع الخاتم ما دام حيًا.
فوجد نفسه بين نارين، وقال في سرّه:
«ليت الشيخ عطية كان هاهنا لأستنير بحكمته.»
ثم مدّ يده نحو الخاتم كأنه يهمّ بنزعه، وقال لها مراوغًا:
«دلّيني على أصحابي، وسأعطيك الخاتم.»
فقالت بلهجة ممتلئة سخرية:
«أصحابك سيصيبهم سحرُ الجبل، ولا قدرة لمخلوق على منعه، فإن في الجبل من الطلاسم ما يفوق طاقتي.»
ثم أشارت إليه أن ينظر من النافذة.
فلمّا تطلع، إذا بالثلاثة مطروحين في المكان نفسه الذي افترق عنهم فيه.
فقال لها:
«أهم أحياء أم من الهالكين؟»
قالت:
«هم أحياء، ولكنّي أنزلتُ بهم عقابًا على ما اقترفوه حين دنّسوا أرضي.»
عند ذلك تقدم إليها عمادُ الحق خطوةً، فارتدّت مذعورة إلى الوراء، فتذكّر أنّ بيده شيئًا تهابه كل الجن، فقال لها:
«أعطيني القمقم الذي طلبتُ، ثم خذي الخاتم.»
عندها صرخت صرخة ثانية فاجتمعت حوله أربعة من العفاريت، كلُّ واحدٍ أشدّ بشاعة من الآخر، وقد تبدّت في أعينهم نية القتل. فلم يجد مهربًا إلا أن اندفع نحو الدَّرج يصعده، كأن قوةً خفيةً تقوده إلى طريق لا يعرفه.
وحين بلغ قمّة الدرج وجد بابًا من الصخر، وكأن صوتًا غير مرئي يطلب منه الدخول.
فلما تقدم إليه تفتّت الباب كأنه لم يكن أصلًا، فإذا وراءه قمقمٌ من النحاس، عليه غطاء منقوش بطلاسم وكلماتٍ غريبة، وفيه قسمٌ جليل يحبس من يُلقى فيه فلا يخرج إلا أن يشاء الله… أو أن تقوم الساعة.
تملَّكت القشعريرةُ جسدَ عماد الحق، وما كان يدري أ意ُقدم هو على صوابٍ أم على خطأٍ مبين…
غير أنّ يقينه لم يتزعزع؛ فما دام في نهاية هذا الطريق دواءٌ لأمِّه، فليكن ما يكون، ولو وقف على فُوَّهة الهلاك.
لم يكن ذلك لجرأةٍ فيه، بل لعلمه أنّه مضطرٌّ لا مخيَّر، وأنّ درب الخلاص لا يُقطع إلا بالمواجهة.
وما هي إلا لحظة، حتى أحسّ بوجودٍ يقف خلفه؛ فإذا هي جَنّى وقد أقبلت ومعها عفاريتها، والقمقم النحاسيّ بين يدي عماد يلمع كبريق نجمٍ في ليلٍ بهيم.
وما إن رأته قابضًا على الغطاء، حتى تبدّل حالها؛ فبعد أن كانت تقف موقف القوة، إذا بها تنهار وتجهش بالبكاء، وتتوسّل إليه بصوتٍ مرتجف.
قالت وهي ترتعد:
“يا ابن آدم! إن فتحتَ هذا القمقم، أحرقتَني ومن معي! فإنّي عاهدتُ عَزّار أن أحرسه إلى قيام الساعة، وإن فُتح، كان ذلك هلاكي!”
فنظر إليها عماد بعينٍ تخلط الرحمةَ بالحذر، ثم قال:
“أين علاء الدين؟ وما الذي أصابه؟”
فأجابته قائلة:
"لقد ولج أرضًا محرَّمة وهي ارض لقبيلة من الجن ، لا يُحلّ فيها الصيد ولا يُؤمَن فيها المسير.
اصطاد غزالًا وأرنبين، وما علم أنه إنما قتل ابنةَ زعيم القبيلة وحرسها.
فلذلك ضلّ هو وأصحابه في ديارهم، لا يهتدون سبيلًا، ولا يعرفون طريقًا للخروج؛
يسري عليهم سحرُ الجبل حتى يَهلكوا جوعًا وعطشًا… إلا أن يُكتب لهم مهرب."
فقال عماد:
“دلّيني على مكانهم.”
فقالت وهي تبكي:
“أدُلّك… إن تركت ما في يدك.”
فشدّ قبضته على القمقم وقال:
“لن أدعه حتى تدلّيني.”
فقالت:
"اعلم أن ابن الوالي ما يزال في الجبل، لكنّ جنّ القبيلة يطلبون الثأر،
وقد سحروا عيون علاء الدين ومن معه حتى يتوهوا حتى الفناء."
ثم دلّته على موضعهم، فلما فرغت من كلامها، سأَلها عماد:
“لماذا أردتِ أن أنزع الخاتم؟ وأنت تعلمين أن في ذلك هلاك والدك؟”
فقالت وقد خنقها الغيظ:
"إنّ عَزّار لا يريد إلا الخاتم الذي وجدته،
يريد به أن يجعل ملكَ الملوك عبدًا في قبضته.
فلما أيقن أنه لن يناله منك… لم يبقَ له إلا قتله!"
وحين سمع عمادُ قولها، أدرك أن لا مهرب من القدر.
أمسك بغطاء القمقم، ورفع رأسه إلى السماء وقال:
“بسم الله… اللهم اجعل في هذا خيرًا، فليس لي سواك.”
ثم انتزع الغطاء.
فما إن فُتح القمقم، حتى اهتزّت الأرض من تحت قدميه، وارتجّ الجبل رجًّا شديدًا،
وانطلقت منه نارٌ عظيمة تشقّ الظلام، يتبعها صراخُ رجلٍ كأنه يخرج من قعر القرون.
صرخت جَنّى وهي تضرب صدرها:
“قتلتني يا ابن آدم!”
وما كادت تُتِمُّ صراخها حتى انطلقت حربةٌ سوداء من باطن الظلمة،
اخترقتها فصرعتْها لوقتها، فتهاوت كرمادٍ تداعبه الريح.
رفع عمادُ بصره فإذا برجلٍ يقف أمامه،
جسده مفتول كالحديد، وعيناه تقدحان نورًا، والحربة في يده تتلألأ كأنها قطعة من ليلٍ مكثّف.
لم يعرف عماد أهو صديق أم عدو.
تقدّم الرجل منه، ومدّ يده للمصافحة،
فصافحه عماد وقد تملّكه الذهول.
قال الرجل بصوتٍ كأنه هدير السماء:
“أتدري من أنا؟”
فقال عماد:
“أنت كِسّان… ابنُ ملك الملوك.”
فابتسم الرجل وقال:
"وقد صنعتَ لي معروفًا عظيمًا…
ولذلك أهَبُك ثلاث حاجات، تخيّرها متى شئت.
إن دعوتني واحدةً… حضرتُ لك."
له عماد الحق:
“لو تركتَها لحتفها، لوفّرتَ على نفسك قتلَ أختك.”
فأجابه كِسّان وقد تعقّدت ملامحه:
“والله ما كنتُ لأدعها لغيري؛ ففي نفسي عليها من الغِلّ ما لا يعلمه إلا الله.”
ثم سكت هنيهة وقال:
“وهذا أمرٌ لا شأن لك به. اطلب ما تشاء… فلن أردّ لك جميلًا.”
فقال عماد:
“ما أريده فوق طاقتك.”
فابتسم كِسّان وقال:
“اطلب ما شئت… وسترى.”
فقال عماد بثبات:
“إن أمي أصابتها لعنة الجبل… فهل لك سبيلٌ إلى علاجها؟”
فقال كِسّان وقد ظهر عليه الحرج:
"لقد صدقتَ فيما قلت… فهذا أمرٌ فوق قوتي.
أنا مَن أرسل السحر على أهل الجبل، لكن لا أملك القدرة على رفعه."
زاد عطشُ عماد من هول ما سمع، وجفّ حلقه حتى خُيّل إليه أنه لا يستطيع الكلام.
فمدّ كِسّان يده، فظهرت فيها كأسٌ من ماء صافٍ كأنه قُطّ من نبع السماء.
قال:
“اشرب.”
فشرب عماد حتى ارتوى، وكلما شرب عاد الماء كما كان لا ينقص منه قطرة.
فقال في نفسه:
“لقد رأيت من العجائب ما لو رآه الناس لجنّوا… وما عدتُ أتعجب.”
ثم قال كِسّان:
"أعاهدك ألا ينالك منّي أذى، ولن أقبل بضررك.
ولن تراني بعد اليوم إلا ثلاث مرات… حين تطلب ردّ الجميل."
فقال عماد:
“أريد أن أخرج من هذا الجبل مع أصحابي وعلاء الدين ابن الوالي ومن بقي معه.”
فقال كِسّان:
"أما أصحابك فستجدهم عند قصرنا.
وأما ابن الوالي، فقد مات من أصحابه كثيرون،
وأصابه ما يُصيب كلّ من يدخل أرض الجبل.
وقد أرسلتُ مَن ينزعهم نزعًا من حيث أُسروا، ويدلّهم على الطريق إليكم،
لكنّ بعضهم بحالٍ يُرثى لها."
ثم تابع:
"فإذا اجتمعتم… إيّاكم والبقاء في الجبل،
فإنّ من فيه لن يكفّ عن طلب هلاكك."
---
فخرج عماد الحق من قصر كِسّان مسرعًا،
يمضي كالريح إلى أصحابه، يبحث أولًا عن منذر، فوجده ملقى على الأرض بحالٍ يرثى لها.
فلما فتح منذر عينيه، رأى صديقه قائمًا فوقه، فسجد لله شكراً إذ نجاه معه.
ولمّا تذكّر ما رأى من أوهام ومصارع، بكى بكاءً مرًّا وهو يحتضن عمادًا.
ثم أفاق سراج وابن الأعرج، وما إن فتحا أعينهما حتى فرّا من الجبل،
كأن الموت يطارد أعقابهما، ولم ينتظرا أحدًا.
نظر عماد حوله يبحث عن علاء الدين فلم يره،
ثم رأى من بعيد خيولًا مقبلة، بعضها فارغة الظهر، وبعضها تحمل رجالًا ممدّدين لا يُدرى أهم موتى أم على شفا الموت،
ولم يكن من السالمين إلا اثنان من حراس علاء الدين.
ارتجف قلب منذر وهو يرى المشهد، وكان يريد الفرار مثل صاحبيه،
لكنّه ما جرؤ أن ينطق؛ إذ علم أن عمادًا ما يزال ينتظر وعدًا…
ينتظر ظهور الملك شدّاد ليمنحه ما وعده.
فلما وصلت الخيل، نزل أحد الحرس وقال وهو يلهث:
“استحلفكم بالله… إن كنتم من الجن أو الإنس، فلا تؤذونا، وأطلقونا.”
فقال عماد مطمئنًا:
“لا تخشَ شيئًا يا أخي… نحن جئنا نبحث عنكم.”
وعندها عرفه منذر وقال:
“أما عرفتني يا مهند؟”
فلما عرفه شعر بالأمان، وقال وهو يروي ما حدث:
"ما إن دخلنا الجبل حتى نزل بنا السحر.
دخلنا غابة خضراء كثيرة الصيد،
وكان كلما أخرج علاء الدين سهمًا وجده مكسورًا،
حتى وجد سهمًا سليمًا فرماه على غزال فأرداها،
وظهر خلفها أرنبان فصادهما أصحابه.
ومنذ تلك اللحظة… بدأ الصراخ.
صرخاتٌ لا نعلم أمن خوفٍ هي أم من ألمٍ أصابنا.
ثم تهنا… أيّامًا لا نهتدي طريقًا."
وتابع الحارس:
"ثم وجدنا قصرًا عظيمًا، لم ترَ أعيننا مثله قط.
دخلناه، فإذا نساءٌ جميلات كالبدر،
كل واحدة أجمل من أختها،
وأطفال يمرحون حولهن.
أحطن بنا، وأرَدن فتنة علاء الدين… فلم يفتتن،
وكذلك بعض الجنود،
لكن واحدًا منّا سقط في شِباكهن،
فسبينه وأكلنه حيًّا!
وفعلن باثنين غيره."
ارتعد عماد وهو يسمع.
وتابع الحارس:
"فلما جرّد علاء الدين سيفه،
إذا بحوشٍ خلفهن،
خمسةَ أضعافِ رجلٍ واحد،
لم نرَ مثله قط.
ولما هممنا بالهرب…
اجتمعت حولنا الوحوش وافترست ثلاثة.
أما علاء الدين… فقد تجمّد من شدّة الرعب،
وسقط سيفه من يده دون أن يشعر.
وتكلّم الوحش بلسان ليس بعربي،
لكن علاء الدين فهمه، لأنها اللغة العبرية التي تعلمها.
قال الوحش:
“دخلتَ أرضي بغير إذني… واليوم يوم هلاكك!”
عندها صاح علاء الدين:
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!”
فلما همّ الوحش بقطع عنقه…
تحوّل إلى كومة رمادٍ ذرّتها الريح،
وظهر خلفه رجل آدميٌّ وقال:
“اتبعوني إن أردتم الخلاص.”
ثم اختفى بعد أن أخرجهم إلى الطريق.
ومنذ ذلك الحين…
ظل علاء الدين مغشيًّا عليه."**
---
ركب عماد الحق أحد الخيول،
وركب معه منذر،
وبدؤوا طريق العودة إلى القرية السعيدة،
وقلب عماد يلهج بعهدٍ قطعه على نفسه:
"والله… لا أعود إلى الجبل مرة أخرى…
إلا لأمرٍ عظيمٍ حقًّا."
نهاية الجزء الخامس
© 2025 هيثم نبيل الشرجبي. جميع الحقوق محفوظة.