هل قُتل كينيدي أم تُرك ليُقتل؟ صراع السلطة وصمت الدولة في اغتيال رئيس

هل قُتل كينيدي أم تُرك ليُقتل؟ صراع السلطة وصمت الدولة في اغتيال رئيس

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

اغتيال جون كينيدي: بين الرواية الرسمية وكشف الوثائق السرية

image about هل قُتل كينيدي أم تُرك ليُقتل؟ صراع السلطة وصمت الدولة في اغتيال رئيس

مقدمة

يُعد اغتيال الرئيس الأمريكي الخامس والثلاثين جون فيتزجيرالد كينيدي، في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963، أحد أكثر الأحداث غموضًا وإثارة للجدل في التاريخ السياسي الحديث. فعلى الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على الحادثة، ما زالت الأسئلة الأساسية بلا إجابات حاسمة: من قتل كينيدي؟ هل تصرّف القاتل وحده؟ أم أن الاغتيال كان نتاج مؤامرة أكبر شاركت فيها قوى داخل الدولة الأمريكية نفسها؟

ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإفراج عن آلاف الوثائق السرية المتعلقة بالاغتيال، عاد الجدل بقوة، ليس فقط في الأوساط الإعلامية، بل أيضًا بين المؤرخين والباحثين في تاريخ الاستخبارات الأمريكية.


أولًا: واقعة الاغتيال والرواية الرسمية

في ظهر يوم 22 نوفمبر 1963، وأثناء مرور موكب الرئيس كينيدي في مدينة دالاس بولاية تكساس، أُطلق عليه الرصاص فأُصيب إصابة قاتلة. وبعد ساعات قليلة، أعلنت السلطات اعتقال لي هارفي أوزوالد، وهو جندي سابق في قوات المارينز، واتُهم بتنفيذ الاغتيال من الطابق السادس لمستودع كتب مدرسية يطل على مسار الموكب.

غير أن القضية ازدادت تعقيدًا عندما قُتل أوزوالد نفسه بعد يومين فقط، على يد جاك روبي، أثناء نقله من مقر الشرطة، ما أدى إلى غياب المتهم الرئيسي قبل محاكمته.


لجنة وارن: تثبيت “القاتل المنفرد”

في عام 1964، أصدرت لجنة وارن، التي شكّلها الرئيس ليندون جونسون، تقريرها الشهير، والذي خلص إلى أن:

لي هارفي أوزوالد تصرّف بمفرده

لا توجد أدلة على مؤامرة داخلية أو خارجية

لا تورّط لأي جهاز استخباراتي أمريكي أو أجنبي

لكن التقرير واجه منذ صدوره تشكيكًا واسعًا، بسبب:

تناقض الشهادات

غموض مسار “الرصاصة السحرية”

حجب آلاف الوثائق بدعوى الأمن القومي


ثانياً: لماذا أُخفيت الوثائق لعقود؟

أدّى تصاعد الشكوك الشعبية إلى إقرار “قانون سجلات اغتيال كينيدي” عام 1992، والذي نصّ على الإفراج الكامل عن الوثائق بحلول عام 2017، إلا إذا ثبت أن النشر سيضر بالأمن القومي.

وهنا يبرز السؤال التاريخي الخطير:
لماذا احتاجت الدولة الأمريكية إلى أكثر من نصف قرن لحجب وثائق تتعلق بجريمة فردية مزعومة؟


ثالثاً: دونالد ترامب وقرار الإفراج عن الوثائق

في أكتوبر 2017، وتحت ضغط القانون والرأي العام، أعلن الرئيس دونالد ترامب الإفراج عن آلاف الوثائق المتعلقة باغتيال كينيدي.
لكن الإفراج لم يكن كاملًا؛ إذ:

نُشرت وثائق كثيرة بصيغة منقوصة

أُجّل الإفراج عن ملفات أخرى بطلب من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)

وبرر ترامب ذلك بأن “الأجهزة الأمنية لا تزال ترى خطورة في الكشف الكامل”.


رابعاً: ماذا كشفت الوثائق فعليًا؟

عند فحص الوثائق التي أُفرج عنها، يمكن للمؤرخ أن يخرج بعدة نتائج مهمة:

1. معرفة استخباراتية مسبقة بأوزوالد

الوثائق أكدت أن:

وكالة الاستخبارات المركزية كانت تتابع لي هارفي أوزوالد منذ سنوات

أوزوالد زار السفارة السوفيتية في المكسيك

كان على اتصال بدوائر يسارية ومؤيدة لكوبا

وهذا يناقض الادعاء السابق بأن أوزوالد كان “مجهولًا” للأجهزة الأمنية.


2. إهمال استخباراتي جسيم

الوثائق لا تُثبت تورّطًا مباشرًا، لكنها تكشف:

فشلًا استخباراتيًا واضحًا في تقييم خطورة أوزوالد

تجاهل تحذيرات داخلية

صراعات بيروقراطية بين الـCIA والـFBI

وهو ما يعزز فرضية “الإهمال المتعمّد أو المقصود”.


3. التستر لا يعني بالضرورة التخطيط

من أخطر النتائج أن الوثائق تشير إلى:

محاولات لاحقة لحماية سمعة الأجهزة

إخفاء أخطاء جسيمة

القلق من انفجار سياسي داخلي لو كُشفت الحقائق مبكرًا

وهذا يضعنا أمام تمييز تاريخي مهم:

التستر بعد الجريمة لا يساوي بالضرورة التخطيط لها.


خامساً: هل كشفت الوثائق تورّط الأجهزة المخابراتية؟

الإجابة التاريخية الدقيقة هي:
لا، لم تُثبت الوثائق تورّطًا مباشرًا أو قرارًا مؤسسيًا باغتيال كينيدي.

لكنها في الوقت ذاته:

هدمت صورة “الجهل الكامل”

كشفت شبكة من الإخفاقات والإهمال

أكدت أن الحقيقة الكاملة لم تُكشف بعد

وبالتالي، فإن فرضية “الدولة العميقة” لم تُثبت قانونيًا، لكنها أيضًا لم تُفنَّد نهائيًا.


خاتمة: اغتيال لم يُغلق ملفه

إن اغتيال جون كينيدي لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل لحظة مفصلية كشفت هشاشة العلاقة بين السلطة، والاستخبارات، والحقيقة.
وقد أظهر الإفراج عن الوثائق في عهد ترامب أن التاريخ الرسمي ليس دائمًا هو الحقيقة الكاملة، وأن ما يُخفى أحيانًا يكون أخطر مما يُقال.

وبينما لم تُدن الوثائق الأجهزة المخابراتية صراحة، فإنها فتحت بابًا واسعًا أمام سؤال سيظل قائمًا:
هل قُتل كينيدي برصاصة رجل واحد، أم في ظل صمت دولة كاملة؟

هل قُتل كينيدي برصاصة رجل واحد، أم في ظل صمت دولة كاملة؟ — هو في جوهره سؤالٌ تاريخي-تحليلي لا جنائي، لأن الجريمة حُسمت قانونيًا منذ 1964، لكنها لم تُحسم تاريخيًا ولا أخلاقيًا حتى اليوم.


أولًا: هل قتله رجل واحد؟

الرواية القانونية

قانونيًا، لا تزال الولايات المتحدة تعتمد خلاصة:

لي هارفي أوزوالد هو القاتل

تصرّف منفردًا

لا مؤامرة مثبتة

هذه الرواية لم تُلغَ ولم تُستبدل رسميًا حتى اليوم.

لكن…
التاريخ لا يكتفي بما “أُثبت”، بل بما يمكن تفسيره منطقيًا.


ثانيًا: لماذا لا أقنعت رواية “الرجل الواحد” المؤرخين؟

حتى مؤرخين محافظين وغير ميّالين للمؤامرات يعترفون بوجود ثغرات خطيرة، منها:

عدد الطلقات وزمنها

الزمن بين الطلقات قصير جدًا قياسًا بسرعة إعادة التلقيم

هذا لا يُثبت وجود قناص آخر، لكنه يفتح باب الشك

مقتل أوزوالد السريع

المتهم الرئيسي يُقتل قبل التحقيق

هذا حدث نادر في قضايا بهذا الحجم

المعرفة الاستخباراتية المسبقة

الوثائق أكدت أن أوزوالد لم يكن مجهولًا

ومع ذلك لم يُراقَب بجدية

هذه العناصر لا تُسقط فرضية “القاتل المنفرد”، لكنها تجعلها غير مريحة تاريخيًا.


ثالثًا: نظريات “الجهات الكبرى” — ماذا بقي منها؟

1. الـCIA

لا دليل على إصدار أمر بالاغتيال

لكن:

عداء سياسي واضح بين كينيدي وقيادة الوكالة

كينيدي أقال مدير الـCIA بعد فشل خليج الخنازير

الوثائق تُظهر خوفًا شديدًا من انكشاف دور الوكالة بعد الاغتيال

👉 النتيجة:
لا تخطيط مثبت، لكن دافع سياسي + تستر لاحق.


2. المافيا

علاقات عدائية مع إدارة كينيدي (روبرت كينيدي تحديدًا)

علاقات قديمة بين المافيا ودوائر استخباراتية

👉 النتيجة:
قدرة على التنفيذ موجودة، لكن لا دليل قاطع على الربط المباشر.


3. كوبا والاتحاد السوفيتي

أوزوالد تعاطف مع الشيوعية

زار السفارة السوفيتية

لكن:

أي تورط رسمي كان سيؤدي إلى حرب نووية

الوثائق السوفيتية لاحقًا نفت أي دور

👉 النتيجة:
أضعف النظريات من حيث المنطق الجيوسياسي.


رابعًا: “صمت الدولة” — الفرضية الأكثر واقعية

هنا نصل إلى النقطة المفصلية.

الكثير من المؤرخين اليوم لا يقولون:

“الدولة قتلت كينيدي”

بل يقولون:

“الدولة لم تقل الحقيقة كاملة.”

ما الذي تؤكده الوثائق؟

إخفاء أخطاء جسيمة

حماية سمعة الأجهزة

الخوف من فقدان الثقة العامة

القلق من انفجار سياسي داخلي

وهذا يقود إلى مفهوم مهم في التاريخ السياسي:

التستر المؤسسي ≠ التخطيط للاغتيال


الخلاصة التاريخية الدقيقة

إذا أردنا إجابة أمينة وغير دعائية، فهي:

ربما أطلق الرصاص رجل واحد،
لكن الحقيقة دُفنت بصمت دولة كاملة.

لم تُثبت الوثائق أن الدولة أمرت بالاغتيال

لكنها أثبتت أن الدولة لم تكن بريئة بعده

الصمت، الإخفاء، والتأجيل المتكرر للإفراج عن الوثائق، كلّها أفعال دولة تخشى الحقيقة، لا دولة واثقة من روايتها


كلمة أخيرة كمؤرخ

اغتيال كينيدي لم يكن فقط اغتيال رئيس، بل:

نهاية وهم “الدولة الشفافة”

بداية عصر الشك في السلطة الأمريكية

لحظة تأسيسية لفكرة “الدولة العميقة” حتى لو لم تُثبت حرفيًا

صراع كينيدي مع أجهزة الأمن


صراع جون كينيدي مع أجهزة الأمن: رئيس في مواجهة الدولة العميقة

مقدمة

لم يكن اغتيال الرئيس الأمريكي جون فيتزجيرالد كينيدي عام 1963 حدثًا معزولًا عن سياق سياسي وأمني معقّد، بل جاء في ذروة صراع مكتوم بين رئيس منتخب يسعى إلى إعادة تعريف دور السلطة التنفيذية، وأجهزة أمنية واستخباراتية اعتادت العمل باستقلال واسع منذ الحرب العالمية الثانية.
فكينيدي لم يكن رئيسًا تقليديًا في علاقته بالمؤسسة الأمنية؛ بل كان، على نحو غير مسبوق، رئيسًا يشكّك، يعارض، ويحدّ من نفوذ الأجهزة، وهو ما وضعه في مسار تصادمي مع مراكز قوة داخل الدولة الأمريكية.


أولًا: الخلفية الفكرية لكينيدي تجاه الاستخبارات

دخل كينيدي البيت الأبيض عام 1961 وهو يحمل رؤية نقدية للأجهزة الأمنية، تشكّلت من:

اطلاعه على تجاوزات وكالة الاستخبارات المركزية في الخمسينيات

قناعته بأن الـCIA تحوّلت من جهاز معلومات إلى أداة عمليات سرية مستقلة

شكوكه في قدرة المؤسسة العسكرية–الاستخباراتية على ضبط نفسها سياسيًا

كان كينيدي يؤمن بأن:

“القرار السياسي يجب أن يسبق العمل السري، لا أن يكون تابعًا له.”

وهذا المبدأ وحده كان كافيًا لخلق صدام بنيوي.


ثانيًا: خليج الخنازير — لحظة الانفجار الأولى

مثّلت عملية غزو خليج الخنازير في كوبا (أبريل 1961) أول مواجهة علنية بين كينيدي ووكالة الاستخبارات المركزية.

ما الذي حدث؟

ورث كينيدي خطة معدّة مسبقًا من إدارة أيزنهاور

الـCIA قدّمت معلومات مضللة حول فرص النجاح

وُضِع الرئيس أمام أمر واقع سياسي وعسكري

وعندما فشلت العملية فشلًا ذريعًا، تحمّل كينيدي المسؤولية علنًا، لكنه في الكواليس اتخذ قرارًا حاسمًا:

إقالة مدير الـCIA ألين دالاس

إعادة هيكلة القيادة العليا للوكالة

تقليص نفوذ العمليات السرية المستقلة

وقد نُقل عنه قوله الشهير:

“أريد أن أمزّق الـCIA إلى ألف قطعة وأن أنثرها في الرياح.”


ثالثًا: كينيدي ضد منطق “الحرب الدائمة”

في ذروة الحرب الباردة، كانت الأجهزة الأمنية ترى العالم من منظور:

صراع صفري

عدو دائم

تصعيد مستمر

بينما تبنّى كينيدي نهجًا مختلفًا:

رفض الضربات الاستباقية ضد كوبا

سعى إلى تفاهم غير مباشر مع خروتشوف

وقّع لاحقًا معاهدة حظر التجارب النووية الجزئية

هذا التباين خلق انطباعًا داخل المؤسسة الأمنية بأن:

كينيدي “ناعم”، “متردّد”، أو حتى “خطر على الأمن القومي”.


رابعًا: أزمة الصواريخ الكوبية — لحظة الانقسام الحاسم

خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بلغ الصراع ذروته.

موقف الأجهزة:

توصيات بضربات جوية فورية

غزو شامل لكوبا

تصعيد نووي محتمل

موقف كينيدي:

رفض النصائح العسكرية المتشددة

اعتمد على الحصار البحري

فتح قنوات تفاوض سرية مع موسكو

وبعد انتهاء الأزمة دون حرب نووية، خرج كينيدي منتصرًا سياسيًا، لكن الثمن كان:

تعمّق العداء داخل المؤسسة العسكرية–الاستخباراتية

فقدان الثقة بين الرئيس وأجهزة الأمن


خامسًا: مشروع كينيدي لتقييد الأجهزة

بعد أزمة كوبا، بدأ كينيدي خطوات هادئة لكنها خطيرة من منظور الدولة العميقة:

التفكير في سحب تدريجي من فيتنام

تقليص العمليات السرية غير الخاضعة للبيت الأبيض

إعادة تعريف دور الاستخبارات كمصدر معلومات لا كقوة تنفيذية

هذه التوجهات لو استمرّت، كانت ستؤدي إلى:

كسر استقلالية الأجهزة

إنهاء عصر “الظل الاستخباراتي”


سادسًا: ما الذي كشفته الوثائق لاحقًا؟

الوثائق التي أُفرج عنها لاحقًا لم تُثبت تورّطًا مباشرًا للأجهزة في اغتياله، لكنها كشفت:

حجم العداء المؤسسي لكينيدي

التستّر على أخطاء جسيمة

القلق من انكشاف دور الأجهزة في خلق مناخ سياسي متوتر

وهذا ما يدفع عددًا من المؤرخين إلى طرح فرضية دقيقة:

لم تُخطّط الأجهزة لاغتياله، لكنها لم تكن حزينة على غيابه.


سابعًا: اغتيال الرئيس أم اغتيال مشروع سياسي؟

بمقتل كينيدي:

توقفت خطط تقليص الـCIA

تصاعد التدخل في فيتنام

عادت الدولة الأمنية إلى الصدارة

وهنا يطرح المؤرخ سؤالًا مشروعًا:

هل كان الهدف إنهاء شخص، أم إنهاء مسار سياسي كامل؟


خاتمة: رئيس سابق لعصره

كان جون كينيدي رئيسًا سبق زمنه في فهمه لمخاطر تضخم السلطة الأمنية.
لم يكن عدوًا للأجهزة، لكنه رفض أن يكون رهينة لها.
وهذا وحده — في تاريخ الدول الكبرى — كفيل بصناعة أعداء أقوياء.

وربما لهذا السبب، فإن اغتياله لم يُغلق بملف جنائي، بل فتح:

عصر الشك

ونهاية البراءة السياسية الأمريكية


خلاصة مكثفة تصلح كاقتباس:

“لم يُقتل كينيدي لأنه أخطأ، بل لأنه حاول أن يحكم دولة لا تُحكم من المكتب البيضاوي وحده.”

راع جون كينيدي مع أجهزة الأمن وبين ظروف اغتياله، دون القفز إلى استنتاجات غير مثبتة، وبمنطق المؤرخ الذي يقرأ السياق لا الاتهام. النص مكتوب ليصلح كفصل تحليلي حاسم داخل كتاب.


من الصراع إلى الاغتيال: كيف شكّل عداء الدولة الأمنية مناخ مقتل كينيدي؟

تمهيد منهجي

عند ربط أي صراع سياسي بحدث اغتيال، يقع المؤرخ أمام فخّين:

التبرئة المطلقة باسم غياب الدليل

الإدانة الجاهزة باسم الظن

والطريق العلمي الوحيد هو تحليل:

كيف يخلق الصراع السياسي بيئة تجعل الجريمة ممكنة، دون أن يعني ذلك بالضرورة صدور أمر مباشر.

من هذا المنطلق، لا يُطرح اغتيال كينيدي كنتيجة “مؤامرة مركزية”، بل كنتاج مناخ سياسي–أمني عدائي بلغ حدّ الانفجار.


أولًا: كينيدي كرئيس “خارج الإجماع الأمني”

بحلول عام 1963، كان كينيدي قد:

كسر هيبة القيادات الاستخباراتية بإقالة رموزها

رفض توصيات عسكرية حاسمة في كوبا وفيتنام

أعاد مركز القرار إلى البيت الأبيض

وبذلك أصبح:

أول رئيس أمريكي في زمن الحرب الباردة لا يتماهي مع منطق الدولة الأمنية.

وهذا الوضع خلق ثلاث نتائج مباشرة:

عزل سياسي داخل مؤسسات الأمن

تصنيفه كـ”خطر استراتيجي”

فقدان الحماس المؤسسي لحمايته السياسية والأمنية


ثانيًا: الاغتيال كـ”فشل أمني شامل” لا كحادث عرضي

عند دراسة يوم 22 نوفمبر 1963، تظهر سلسلة إخفاقات لا يمكن فصلها عن الصراع السابق:

1. ضعف الحماية الرئاسية

مسار مكشوف للموكب

نوافذ مفتوحة

غياب إجراءات القنص المضاد

هذا المستوى من الإهمال غير معتاد في زيارة رئيس لدولة معادية سياسيًا له داخليًا مثل تكساس.


2. المعرفة المسبقة بالقاتل المزعوم

الوثائق تؤكد أن:

لي هارفي أوزوالد كان معروفًا للـCIA والـFBI

له سجل سياسي متطرف

سافر واتصل بجهات أجنبية

ومع ذلك:

لم يُصنّف كتهديد مباشر

لم يُراقَب بجدية

لم يُدرج في قوائم الخطر الرئاسي

وهذا يفتح فرضية تاريخية ثقيلة:

إمّا إهمال غير مبرر، أو تغافل مقصود.


ثالثًا: لماذا قُتل أوزوالد؟

مقتل أوزوالد بعد يومين فقط من الاغتيال ليس تفصيلًا ثانويًا.

دلالته التاريخية:

إنهاء خط التحقيق الوحيد

منع محاكمة علنية

قطع الطريق أمام كشف أي شبكات أو علاقات

والأهم:

الدولة قبلت بسرعة تفسير “القاتل الوحيد”،
دون مقاومة تذكر لفقدان المتهم الأساسي.


رابعًا: سرعة إغلاق الملف — قرار سياسي لا قضائي

تشكيل لجنة وارن لم يكن بدافع البحث عن الحقيقة فقط، بل بدافع:

منع انهيار الثقة العامة

احتواء صراع داخلي

حماية صورة الأجهزة الأمنية

وهنا يتجلّى الربط الجوهري:

الدولة التي كانت على خلاف مع رئيسها،
كانت في أمسّ الحاجة إلى إغلاق ملف مقتله سريعًا.


خامسًا: مناخ يسمح بالجريمة دون أن يخطط لها

الاستنتاج الأهم الذي يتوصّل إليه كثير من المؤرخين اليوم هو:

لم يصدر أمر مركزي باغتيال كينيدي

لكن:

عُزل سياسيًا

أُهمل أمنيًا

وحُوصرت الحقيقة بعد مقتله

وهذا يُسمّى في التاريخ السياسي:

الاغتيال بالبيئة لا بالأوامر.


سادسًا: من المستفيد؟

بعد الاغتيال:

توقف مشروع تقييد الـCIA

تصاعد التدخل في فيتنام

عادت الدولة الأمنية لتوجيه القرار

وإن كان التاريخ لا يحاكم بالنوايا، فإنه يحاكم بالنتائج.


خاتمة تحليلية حاسمة

لم يُقتل جون كينيدي لأن أجهزة الأمن ضغطت على الزناد،
بل لأنه وقف في مواجهة منظومة:

لا تحب المساءلة

لا تغفر التحدي

ولا تحمي من يخرج عن إجماعها

وبين رصاصة أُطلقت في دالاس، وصمتٍ فُرض في واشنطن،
وُلد أحد أكثر الأسئلة إزعاجًا في التاريخ الأمريكي:

هل قُتل الرئيس، أم تُرك ليُقتل؟


عبارة ختامية تصلح لنهاية فصل:

“اغتيال كينيدي لم يكن انقلابًا دمويًا،
بل كان إعلانًا صامتًا عن حدود السلطة في دولة يحكمها الأمن بقدر ما يحكمها الدستور.”

هل قُتل الرئيس، أم تُرك ليُقتل؟ — ليس سؤالًا بلاغيًا، بل هو الخلاصة التحليلية الأصدق التي وصل إليها كثير من المؤرخين الجادّين بعد عقود من البحث، وهو أدق من سؤال “من ضغط الزناد؟”.

وسأجيبك بإجابة واحدة واضحة، ثم أبرّرها تاريخيًا.


الإجابة المختصرة

الأدلة المتاحة لا تُثبت أن الدولة قررت اغتيال كينيدي،
لكنها تُرجّح بقوة أنه تُرِك ليُقتل داخل مناخ عدائي وإهمال أمني جسيم.

هذه ليست صيغة توفيقية، بل استنتاج تاريخي منطقي.


لماذا “تُرك ليُقتل” أقرب من “قُتل”؟

1. الاغتيال سبقه عزل سياسي لا سابق له

بحلول 1963:

كينيدي كان في صدام مع الـCIA

مرفوضًا من قيادات عسكرية مؤثرة

مشكوكًا في التزامه بعقيدة الحرب الباردة

في التاريخ السياسي، الرئيس المعزول مؤسسيًا هو الأضعف أمنيًا.


2. الإهمال الأمني لم يكن عشوائيًا

إجراءات حماية كينيدي في دالاس:

أقل من المعتاد

مليئة بالثغرات

مخالفة لبروتوكولات قائمة

وهذا ليس “خطأ فرديًا”، بل فشلًا مؤسسيًا لم يُحاسَب عليه أحد بجدية.


3. القاتل المزعوم كان معروفًا

لي هارفي أوزوالد:

لم يكن مجهولًا

لم يكن بلا سجل

ولم يكن خارج الرادار

ورغم ذلك:

لم يُعامل كخطر

لم يُدرج في قوائم التهديد

وهذا وحده يُسقط فرضية “الصدفة البحتة”.


4. ما بعد الاغتيال كان أهم من الاغتيال نفسه

الدولة لم تسأل:

لماذا فشلنا؟

من أخطأ؟

بل سألت:

كيف نُغلق الملف؟

كيف نحمي المؤسسات؟

وهنا يتضح أن:

الأولوية لم تكن العدالة، بل الاستقرار.


هل هذا يساوي قرار اغتيال؟

لا.
وهذا مهم جدًا.

في علم التاريخ السياسي:

القرار بالقتل يحتاج دليلًا مباشرًا

الترك للقتل يُستدل عليه بالسياق والنتائج

وكل ما نملكه يشير إلى الثاني، لا الأول.


الصيغة التاريخية الأدق

لو أردنا جملة واحدة دقيقة بلا تهويل ولا تبرئة، فهي:

لم يُقتل كينيدي بأمر من الدولة،
لكنه قُتل في ظل دولة قررت ألّا ترى.


كلمة أخيرة كمؤرخ

الدول نادرًا ما تقتل رؤساءها،
لكنها كثيرًا ما:

تعزلهم

تتركهم بلا حماية سياسية

ثم تكتب التاريخ بطريقة لا تُدين أحدًا

ولهذا بقي اغتيال كينيدي جرحًا مفتوحًا،
لا لأننا نجهل من أطلق الرصاصة،
بل لأننا نفهم جيدًا من صمت.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

150

متابعهم

57

متابعهم

171

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.