مسرحية الملك لير: مأساة السلطة والعمى الإنساني
مسرحية الملك لير: مأساة السلطة والعمى الإنساني

قراءة تحليلية في واحدة من أعظم تراجيديات وليم شكسبير
مقدمة
تُعد مسرحية الملك لير (King Lear) من أكثر أعمال وليم شكسبير عمقًا وتعقيدًا من الناحية النفسية والفلسفية. فهي ليست مجرد قصة عن ملك عجوز يخطئ في تقدير بناته، بل مأساة كبرى عن السلطة، والغرور، والعمى الأخلاقي، وانهيار النظام الإنساني عندما يُبنى على الوهم لا على الحقيقة.
تتناول المسرحية أسئلة جوهرية: ما معنى العدالة؟ هل الحب يُقاس بالكلام؟ وهل السلطة تمنح الحكمة أم تكشف هشاشة الإنسان؟
الفصل الأول: وهم السلطة واختبار الحب
تقسيم المملكة
يقرر الملك لير، وقد بلغ الشيخوخة، أن يتنازل عن الحكم لبناته الثلاث: غونريل، ريغان، وكوردليا. لكنه يشترط أن تعلن كل واحدة مقدار حبها له، ليمنحها نصيبها من المملكة.
خداع الكلمات وصدق الصمت
غونريل وريغان تتنافسان في المبالغة اللفظية، مستخدمتين خطابًا زائفًا يخفي طموحهما للسلطة.
كوردليا، الأصغر والأصدق، ترفض التملق وتعبّر عن حبها بصدق متزن، ما يثير غضب لير.
الطرد والعمى
يُقصي لير كوردليا ويحرمها من الميراث، كما ينفي مستشاره الوفي كنت.
هنا تظهر أولى ثيمات المسرحية:
العمى الأخلاقي، حيث يعجز الإنسان عن رؤية الحقيقة بسبب غروره.
الفصل الثاني: انكشاف الخيانة وبداية السقوط
انقلاب البنات على الأب
بعد حصولهما على السلطة، تبدأ غونريل وريغان في إذلال لير وتجريده من حاشيته، فينكشف زيف حبهما السابق.
التوازي الدرامي: قصة غلوستر
تُضاف حبكة موازية عبر شخصية إيرل غلوستر:
ابنه غير الشرعي إدموند يدبر مكيدة للإيقاع بأخيه الشرعي إدغار.
غلوستر، مثل لير، يُخدع بالمظاهر ويعاقب البريء.
المعنى الدرامي
هذا التوازي يؤكد أن:
الخلل ليس في الأفراد وحدهم، بل في النظام الأخلاقي الذي يحكم العلاقات الإنسانية.
الفصل الثالث: الجنون كطريق إلى الحقيقة
العاصفة
يُطرد لير إلى العراء أثناء عاصفة عنيفة، في أحد أشهر مشاهد المسرح العالمي.
الجنون الواعي
وسط العاصفة، يبدأ لير في إدراك:
ضعف الإنسان أمام الطبيعة.
زيف السلطة عندما تُجرّد من الرحمة.
معاناة الفقراء والمنبوذين.
المفارقة التراجيدية
يفقد لير عقله ظاهريًا، لكنه يكتسب بصيرة داخلية لم يمتلكها وهو ملك.
الفصل الرابع: عودة الأمل والمواجهة
عودة كوردليا
تعود كوردليا إلى إنجلترا على رأس جيش فرنسي لإنقاذ والدها، لا انتقامًا بل بدافع الحب والواجب الأخلاقي.
المصالحة
يلتقي لير بكوردليا، ويعترف بخطئه، في مشهد مؤثر يجسد:
التواضع بعد الغرور
المغفرة بعد الظلم
تصاعد الصراع
يتحول الصراع من عائلي إلى سياسي وعسكري، مع استمرار تآمر:
إدموند
غونريل وريغان اللتين تتصارعان حتى بينهما.
الفصل الخامس: الذروة التراجيدية والانهيار الكامل
المعركة والهزيمة
يُهزم جيش كوردليا، ويتم أسرها مع لير.
رغم انتصار الأشرار عسكريًا، يبدأ انهيارهم أخلاقيًا.
موت كوردليا
يُعدم إدموند كوردليا سرًا.
يحمل لير جثمانها في أحد أكثر مشاهد التراجيديا قسوة في الأدب العالمي.
موت لير
يموت لير مكسور القلب، بعد أن أدرك الحقيقة متأخرًا:
الحب الصادق لا يصرخ… بل يصبر.
العدالة المتأخرة
غونريل تنتحر.
ريغان تموت مسمومة.
إدموند يُقتل بعد اعترافه بخطاياه.
لكن العدالة تأتي بعد فوات الأوان.
الشخصيات الرئيسية ودلالاتها
الملك لير
يرمز إلى:
الإنسان حين تعميه السلطة
الحكمة التي لا تُكتسب إلا بالألم
كوردليا
رمز:
الصدق
الحب غير المشروط
الأخلاق التي لا تحتاج تبريرًا
غونريل وريغان
تجسيدان:
الطموح المدمر
الشر المتخفي خلف اللغة الجميلة
إدموند
تعبير عن:
التمرد على النظام
الذكاء المنفصل عن الأخلاق
الثيمات الكبرى في المسرحية
العمى والبصيرة
السلطة والفساد
الحب الحقيقي مقابل الحب المزيف
العدالة المتأخرة
الإنسان في مواجهة الطبيعة والقدر
خاتمة
ليست الملك لير مجرد مأساة عائلية أو سياسية، بل تشريح قاسٍ للنفس البشرية.
تُظهر المسرحية أن:
الكلمات قد تخدع،
والسلطة قد تُفسد،
لكن الحقيقة، وإن جاءت متأخرة، تظل الحقيقة.
ولهذا بقيت الملك لير عملًا خالدًا، يُعاد قراءته في كل عصر، لأن مأساته ليست ماضوية، بل إنسانية خالدة.