قبل أن يتوقف الزمن (الجزء الثالث)
المنسيّون
لم يكن اختفاء الحيّ حادثة معزولة، بل إعلانًا غير رسمي عن بداية مرحلة جديدة. في مدينة «نوفا»، لم يعد الخوف فكرة مجردة، بل واقعًا يمشي بين الناس. الخرائط الرقمية ما زالت تُظهر الحيّ المفقود، لكن الأقدام التي تحاول الوصول إليه تصطدم بفراغ غير مرئي، كأن المكان قرر الانسحاب من الوجود.
أطلقت هيئة التوازن بيانًا مقتضبًا تصف فيه ما حدث بأنه «خلل بصري مؤقت»، لكن أحدًا لم يصدق. فالأمهات كنّ يشعرن بفراغ في صدورهن، والأطفال ينادون أسماء لم تعد لها أجساد، والمدينة كلها بدت وكأنها فقدت ذاكرة جماعية لا يمكن استعادتها.
آدم كان يعلم أن هذا هو الثمن الحقيقي لأرشيف الأعمار.
بدأ يسمع عنهم همسًا في الأزقة، ثم علنًا في الأسواق: «المنسيّون». بشر استُنزفت أعمارهم بالكامل، فلم يعد الزمن يعترف بوجودهم. لا تسجّلهم الكاميرات، ولا تستجيب لهم أنظمة التعريف، وحتى الأصوات تبدو وكأنها تمرّ عبرهم دون صدى.
لم يكونوا أشباحًا، بل بقايا بشرية فقدت حقها في الاستمرار داخل السرد الزمني.
قادته الشكوك إلى منطقة صناعية مهجورة عند أطراف «نوفا»، حيث تتداخل التشويشات الزمنية بشكل واضح. هناك، رآهم للمرة الأولى.
أجساد بشرية تتحرك ببطء، ملامحها مألوفة على نحو مؤلم. رجل يحدّق في يديه وكأنه يراهما لأول مرة، امرأة تهمس باسمها مرارًا خوفًا من نسيانه، وطفل يجلس في الزاوية يرسم ساعة بلا عقارب.
حين اقترب آدم، نظروا إليه كما يُنظر إلى شاهد لا إلى منقذ.
قال أحدهم بصوت متكسر:
«نحن لم نمت… لكننا لم نُترك لنعيش».
تلك الجملة كانت كافية لتفكيك كل المبررات الأخلاقية التي سمعها سابقًا. لم يكن الأمر تضحية محسوبة، بل إلغاءً صامتًا لفئة كاملة من البشر باسم الاستقرار.
عاد آدم إلى منزله وهو يحمل ثقل سؤال لم يعد يحتمل التأجيل: هل الصمت مشاركة في الجريمة؟
في الليلة نفسها، اخترقت رسالة جديدة أنظمة المدينة. لم تصدر من هيئة التوازن، بل من مصدر مجهول. ظهرت على الشاشات العامة جملة واحدة:
«الزمن ليس ملكًا لكم».
تبعها بث قصير يُظهر لقطات مشوّهة للمنسيّين. لم تكن واضحة، لكنها كانت كافية لإثارة الذعر. حاولت السلطات إيقاف البث، لكن الضرر كان قد حدث. الحقيقة، حين تُلمَح، لا يمكن إعادتها إلى الظل.
بدأ الناس يطرحون الأسئلة التي لم يُسمح لهم بها من قبل. لماذا يشيخ البعض أسرع من غيرهم؟ لماذا يشعر آخرون بفراغ لا اسم له؟ ولماذا يبدو المستقبل حلمًا بعيدًا لا يخص الجميع؟
الفلسفة التي حكمت «نوفا» بدأت تتصدع. فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة لم تعد مقنعة حين أصبحت الوسيلة بشرًا يُمحَون من الذاكرة.
استُدعي آدم مجددًا إلى الهيئة، لكن هذه المرة لم يكن الاجتماع رسميًا. وجوه متوترة، أصوات منخفضة، وقرار لم يُكتب بعد.
قال أحد الأعضاء:
«النظام يفقد السيطرة. الناس تحتاج إلى بطل… أو عدو».
فهم آدم المقصود. التاريخ لا يحب الفراغ، وحين ينهار وهم الاستقرار، يبحث عن اسم واحد يُعلّق عليه الذنب. كان ذلك الاسم هو نفسه.
عرضوا عليه صفقة أخيرة: يعترف علنًا بأن إيقاف المُوازِن كان خطأً فرديًا، ويُعاد تشغيله بطاقة أعلى، مقابل إنقاذ ما تبقى من المدينة.
لكن آدم كان قد رأى ما يكفي.
عاد إلى المنطقة المهجورة حيث يعيش المنسيّون. جلس بينهم، دون أجهزة، دون صلاحيات. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن الزمن يتحرك طبيعيًا، ببطء إنساني لا يخضع للحسابات.
أدرك هناك حقيقة بسيطة ومخيفة: المشكلة لم تكن في المُوازِن وحده، بل في خوف البشر من النهاية. لقد حاولوا تحويل الزمن إلى آلة، لأنهم لم يحتملوا فكرة الفناء.
في تلك الليلة، اتخذ آدم قراره.
لن يُغلق المُوازِن سرًا، ولن يسمح للنظام بتحميله الذنب وحده. الحقيقة يجب أن تُقال كاملة، حتى لو لم يحتملها أحد.
وقبل أن يغادر، أمسك الطفل الذي يرسم الساعة بلا عقارب بيده، وقال:
«إذا عاد الزمن… هل سنتذكر؟»
لم يعرف آدم الإجابة.
في صباح اليوم التالي، استيقظت «نوفا» على حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: عدد المنسيّين تضاعف، وأن المُوازِن بدأ يستهلك الزمن أسرع مما يُنتج.
كانت النهاية تقترب، لا ككارثة مفاجئة، بل كنتيجة منطقية لخيار قديم.
وفي قلب المدينة، بدأ العدّ التنازلي لشيء لم يكن أحد مستعدًا لمواجهته…
عودة الزمن لأصحابه.
*نهاية الجزء الثالث*