قبل أن يتوقف الزمن (الجزء الرابع) والاخير
حين يعود الزمن لأصحابه
لم يأتِ الانهيار كما توقّعه العلماء. لم تكن هناك انفجارات، ولا شاشات تحترق، ولا سماء تنشق. جاء الانهيار هادئًا، بطيئًا، أشبه باعتراف متأخر. في مدينة «نوفا»، بدأ الناس يشعرون بأشياء لم يختبروها منذ سنوات: التعب الحقيقي، الخوف الصادق، والإحساس بأن الغد ليس مضمونًا.
كان ذلك أوّل دليل على أن الزمن بدأ يتحرر.
آدم وقف في قلب هيئة التوازن، أمام المُوازِن الزمني، الآلة التي غيّرت مصير البشرية تحت شعار الإنقاذ. لم تعد تبدو مهيبة كما في السابق، بل مُرهَقة، كأنها حملت أكثر مما ينبغي. الأضواء تخفت وتشتعل دون انتظام، والبيانات تتدفق بلا معنى واضح.
في الخارج، كانت المدينة تغلي. لم يعد الناس يطالبون بالأمان، بل بالحقيقة. الفوضى لم تكن نتيجة الخوف من النهاية، بل من الكذب الطويل الذي سبقها.
دخلت ليلى القاعة ببطء. لم تحاول الدفاع عن نفسها هذه المرة.
قالت بصوت مكسور:
«كنا نظن أننا أذكى من الزمن… لكنه كان يصبر علينا فقط».
اعترفت الهيئة أخيرًا بما حاولت دفنه: المُوازِن لم ينقذ المستقبل، بل استهلكه. وكل ثانية استقرار عاشتها «نوفا» كانت مستقطعة من أعمار لم يُسمح لها بالاكتمال. الحقيقة انتشرت، ومعها سقطت آخر الأعذار الأخلاقية.
لكن الاعتراف وحده لم يكن كافيًا. فالنظام لم يعد قادرًا على الاستمرار أو التوقف دون ثمن فادح.
إيقاف المُوازِن يعني عودة الزمن إلى مساره الطبيعي، بكل ما يحمله من فناء وألم وعدم يقين. تشغيله يعني اختفاء المزيد من البشر، وتحول المدينة إلى ظل طويل بلا مستقبل.
كان القرار بيد آدم، كما توقّع المستقبل ذات يوم.
نظر إلى الشاشات التي تُظهر وجوه المنسيّين. لم يطلبوا النجاة، بل الاعتراف. أن يُعاد لهم حقهم في أن يكونوا جزءًا من القصة، ولو للحظة أخيرة.
أدرك آدم أن الحرية لا تعني الهروب من النهاية، بل اختيار الطريق إليها بوعي.
ضغط الزر.
لم يتوقف المُوازِن فجأة. بل بدأ يعكس عمله. الزمن الذي سُرق عاد دفعة واحدة، لا كنعمة، بل كحقيقة خام. الأعمار المنسية اندفعت إلى أصحابها، والذكريات المبتورة التحمت بأجساد لم تعد تحتملها.
في «نوفا»، بدأ الناس يشيخون كما يجب، ويبكون كما يجب، ويفقدون كما يجب. بعضهم سقط فورًا، لأن عمره الحقيقي كان قد انتهى منذ زمن. آخرون نجوا، لكنهم خرجوا من التجربة بعيون مختلفة.
أما المنسيّون… فلم يختفوا.
عادوا للحظة واحدة فقط. لحظة كافية ليُروا، ويُسمعوا، ويُتذكَّروا. ثم ذابوا في الزمن الذي حُرموا منه طويلًا.
المدينة لم تُدمَّر، لكنها لم تعد كما كانت. فقدت وهم الخلود، وربحت شيئًا أثقل: المعنى.
بعد أيام، لم تعد هناك هيئة توازن، ولا أرشيف أعمار. أُغلقت الملفات، ليس نسيانًا، بل اعترافًا بالذنب.
آدم لم يُحاكَم، ولم يُمجَّد. اختفى بهدوء، كما تختفي الأشياء التي أدّت دورها.
قيل إنه شوهد آخر مرة خارج حدود «نوفا»، يسير بلا ساعة، بلا وجهة، لكنه يبتسم.
في المدينة، تعلّم الناس درسًا لم يُكتب في أي تقرير علمي:
أن الزمن لا يُدار… بل يُعاش.
وأن الفناء ليس عدوًا للحياة، بل شرطها الأساسي.
في آخر سجلّ رسمي كُتب عن «نوفا»، سُجِّلت جملة واحدة فقط:
«حين قبلنا النهاية، بدأنا نعيش».
*النهاية*