قبل أن يتوقف الزمن (الجزء الأول)
مدينة ما بعد الزمن
لم يكن أحد في مدينة «نوفا» يعرف متى بدأ الزمن يفقد معناه. لم يحدث انفجار عظيم، ولا حرب كونية، ولا حتى إعلان رسمي يُبث عبر الشاشات العملاقة. كل ما في الأمر أن الناس استيقظوا ذات صباح ليكتشفوا أن الساعات لم تعد متفقة، وأن الأمس قد يزورك فجأة في منتصف الغد، وأن الذكريات أصبحت أثقل من الواقع نفسه.
كانت «نوفا» مدينة علمية بامتياز، بُنيت على فكرة واحدة: السيطرة على الزمن من أجل إنقاذ البشرية من الفناء. فمع تناقص الموارد، وتزايد الكوارث البيئية، لم يعد المستقبل آمنًا بما يكفي ليُنتظر. لذلك، اجتمع علماء العالم تحت راية واحدة، وصنعوا ما أسموه «المُوازِن الزمني»، جهاز ضخم قادر على إعادة توزيع الزمن بدلًا من السفر عبره.
الفكرة كانت بسيطة في ظاهرها: إعطاء الماضي ما يكفيه ليظل ثابتًا، وسحب الفائض من المستقبل لتغذية الحاضر. لا قفزات زمنية، لا تغيير للأحداث، فقط توازن. لكن كما هي العادة، أبسط الأفكار هي أكثرها خداعًا.
كان آدم واحدًا من القلة الذين فهموا أن الأمر لم يكن توازنًا على الإطلاق. يعمل آدم كمُحلل بيانات زمنية، وظيفة لم تكن موجودة قبل عشر سنوات. مهمته اليومية كانت مراقبة ما يُعرف بـ«الانحرافات الدقيقة»، لحظات قصيرة يشعر فيها الناس بأن الزمن تعثر أو انزلق. تأخر نبضة قلب، جملة تُقال مرتين، دمعة تسقط قبل أن يولد سببها.
في البداية، كانت الانحرافات نادرة. ثم أصبحت يومية. ثم… شخصية.
في ذلك الصباح، وجد آدم نفسه يحدق في شاشة مكتبه، يقرأ تقريرًا يحمل اسمه، لكنه مؤرخ بعد خمس سنوات. التقرير يصف خطأً كارثيًا في المُوازِن الزمني، ويُحمّله المسؤولية الكاملة.
لم يشعر بالخوف. شعر بالفراغ.
كيف يمكن لإنسان أن يُدان على خطأ لم يرتكبه بعد؟ وهل المستقبل شيء ثابت يُحاسَب عليه البشر، أم احتمال هشّ لا يجب الوثوق به؟
خرج آدم إلى شوارع «نوفا» باحثًا عن إجابة، لكن المدينة لم تعد كما يعرفها. المباني نفسها، نعم، لكن الوجوه مختلفة. الناس يسيرون وكأنهم يحملون أعمارًا إضافية فوق أكتافهم. الأطفال يتحدثون بحكمة مُقلقة، والكبار ينسون أسماء أبنائهم أحيانًا.
على إحدى الساحات، شاهد امرأة تصرخ باكية لأنها تتذكر جنازتها.
لم يسأل أحد لماذا.
كان المجتمع قد اعتاد فكرة أن الزمن لم يعد ملكًا شخصيًا. أصبح موردًا تُديره المؤسسات، وتُوزعه الحكومات، وتُراقبه الخوارزميات. من يولد في «نوفا» يوقّع ضمنيًا على عقد غير مكتوب: حياتك ليست لك بالكامل.
عاد آدم إلى مقر «هيئة التوازن الزمني»، المبنى الأكثر تحصينًا في المدينة. هناك، واجه ليلى، العالِمة التي شاركت في بناء المُوازِن. كانت عيناها تحملان إرهاق من عاش أكثر مما ينبغي.
قال لها بهدوء:
«المستقبل يتهمني».
لم تُنكر.
تلك اللحظة كانت كافية ليفهم أن الكارثة ليست قادمة، بل مستمرة.
شرحت ليلى الحقيقة التي لم يُعلنها أحد: المُوازِن لم يكن يوازن الزمن، بل يسرقه. كل مرة يُنقذ فيها الحاضر، يُقصِّر عمر المستقبل. وكل مرة ينهار فيها شخص نفسيًا بسبب اختلاط الذكريات، كان ذلك ثمنًا مقبولًا في نظر الإدارة.
«كنا نؤجل النهاية فقط»، قالت، «لكن النهاية لا تُؤجَّل إلى الأبد».
الفلسفة التي بُنيت عليها «نوفا» كانت واضحة: إنقاذ الأغلبية ولو على حساب المعنى. لكن ماذا يبقى من الإنسانية حين نفقد الإحساس بالزمن؟ حين يصبح العمر رقمًا قابلًا للتعديل؟
في تلك الليلة، تلقى آدم رسالة مشفرة من مصدر مجهول. الرسالة لم تحتوِ على كلمات، بل على ذكرى. وجد نفسه فجأة يتذكر لحظة لم يعشها: هو نفسه، بعد سنوات، يقف أمام المُوازِن ويغلقه يدويًا، بينما المدينة تغرق في الفوضى.
كانت الذكرى واضحة… ومؤلمة.
أدرك آدم أن الصدمة الحقيقية ليست انهيار النظام، بل اكتشاف أن الحرية تبدأ حين نقبل الفناء. وأن محاولة الهروب من النهاية هي ما صنع الكابوس.
وقف أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى مدينة تعيش على زمن مسروق، وسأل نفسه السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه:
هل يستحق البقاء كل هذا الثمن؟
في تلك اللحظة، توقفت الساعات في «نوفا» عن العمل جميعها.
ولأول مرة منذ سنوات… شعر الناس بالخوف الحقيقي.
*نهاية الجزء الأول*